حيدر حب الله

75

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الملاحظات ، أبرزها : الملاحظة الأولى : إنّ آية الجزية التي استدلّوا بها على الجهاد الابتدائي بملاك الكفر تبطل نظرية أصحابها ، لأنّها تجعل منتهى الحرب ، ليس الإسلام وإزالة الكفر من على وجه الأرض ، بل خضوع الطرف الآخر لنظام الجزية ، ونظام الجزية يجامع بقاء الكفر في العالم ، فكيف يمكن أن تلتئم أجزاء هذه النظرية التي ترى الحرب في الإسلام بملاك الكفر لا الحرابة ، مع آية الجزية التي تقبل انتهاء الحرب بإخضاعهم ولو لم يسلموا ؟ فأين هو تحقق الملاك ؟ وكيف كانت الحرب مقدّمةً له ؟ « 1 » . وهذه الملاحظة دقيقة من جانبٍ دون آخر ، فهي دقيقة من حيث إفساد نظريّة الكفر في الحرب ، لكنّ ذلك لا يساوق إبطال الجهاد الابتدائي ، وبعبارةٍ أخرى يجب التمييز بين أمرين هنا هما : شرعية الجهاد الابتدائي ، ورجوع ملاك هذا الجهاد إلى نشر الدعوة وإبادة الكفر ، فآية الجزية - بالبيان الذي تقدم للمستدلّ - تفيد في إبطال أيّ تصوّر يقول بأنّ غاية الحرب في الإسلام إبادة الكفر تماماً ، إلّا أنّها لا تبطل أساس الجهاد الابتدائي لهيمنة الإسلام على العالم بالقوّة بقطع النظر عن تحديد ملاك هذه الحرب ، فإذا كانت الآية قد رأت نهاية حرب اليهود والنصارى في دفعهم الجزية لا في ردّ عدوانهم فهي تدلّ على شرعية الابتدائي حتى لو لم نستطع البرهنة بها على تحديد ملاك الحرب . بل يمكن الترقي أكثر بالقول : إنّ القول بأنّ ملاك الحرب هو الكفر لا الحرابة يحتمل معنيين : أحدهما كون الكفر لوحده سبباً لاندلاع الحرب ، سواء كان يهدف من الحرب إلغاء الكفر أو إبقاءه مع هيمنة الإسلام مادياً عليه . ثانيهما : كون الكفر سبباً للحرب بمعنى إرادة إلغائه من وراء قيامها ؛ فعلى التفسير الثاني تصحّ

--> ( 1 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 212 ؛ وشمس الدين ، جهاد الأمة : 240 - 241 .