حيدر حب الله

73

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

العرب ، بل تفيد شمول تمام معاني الفتنة أيضاً « 1 » ، بل تكملة الآيتين توضح المطلوب أكثر ؛ حيث إنها تتحدّث عن صيرورة الدين لله ، بمعنى أنّ الغاية ليست محض القتل وسفك الدماء ، بل صيرورة الإسلام هو الدين الظاهر الغالب ، وهذا كلّه كلام صريح في أنّنا إنّما نحاربهم لا لأنهم اعتدوا أو لم يعتدوا فحسب ، بل لكي يزول الشرك ويعلو صوت الإسلام غالباً عالياً . الآية الرابعة : قوله تعالى : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) ( التوبة : 7 ) . فهذه الآية تؤسّس أحد المبادئ في معاهدة المشركين ، وهو سقوط تمام المعاهدات معهم ، فلا عهد لهم ولا سلام معهم ، ومعنى ذلك أنّ الأساس معهم - طبقاً لأواخر ما نزل في الجهاد - هو عدم العهد ، فيكون العهد أمراً ثانوياً طارئاً يراه حاكم المسلمين لضرورات وحالات استثنائية ، لا أنّه الأصل الذي تقوم عليه العلاقة مع المشرك ، إذاً ، فلا عهود معهم ، ولا معنى لذلك إلّا أن يحاربوا أو يغدوا مسلمين ، والآية رتبت الحكم على وصف المشرك دون أن تزيد قيداً آخر ، مما يجعلها في صيغة الإخبار تقريباً عن أنّ المشركين بعد اليوم إلى يوم القيامة لن يحفظوا عهداً ولن يفوا بوعد ، وهذا ما يؤكّده تاريخ العلاقة بين المسلمين والكافرين على امتداد الزمن ، حتى المعاصر . أما ذيل الآية ، فهو يطالب المؤمنين بالمحافظة على عهدٍ واحد فقط وقع مع الجماعة التي اتفقوا معها عند المسجد الحرام ، فهذه الجماعة الخاصّة يطالب الله المؤمنين بالوفاء بعهدهم معها ما داموا وفوا بالعهد ، فهذا هو العهد الوحيد

--> ( 1 ) لاحظ : ابن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير 2 : 203 - 206 .