حيدر حب الله

47

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

يتدخّل فيه ، لكي يعطي الموقف هناك . وعلى سبيل المثال ، مسألة السرقة المتقدّمة ، فإنّ إيكال تحديد عدم حصول مفاسد إلى الأفراد سيلزم منه حصول المفاسد في الخارج ، فكلّ فرد سيقول : إن عملي متقن ولن يقع ما يوجب الضرر عليّ أو على أحد من المسلمين ، أو يوجب هتك حرمة المؤمنين ، فالنظرة الفردية تظلّ متفلّتة من القراءة المجتمعية العامة ، والفقيه هنا ؛ لكي يضبط الأمر من ناحية تشريعية ، يحدّد الموضوع لا من زاوية فردية بل من زاوية عامة ، حاصداً مجمل الصورة التي تقع في هذا المجال أو ذاك ، ليصدر حكمه الثانوي طبقاً له ، فإنّ هذا الحكم الثانوي بالحرمة وإن كان قائماً على أساس حرمة هتك سمعة المؤمنين مثلًا ، إلّا أنه لا يحقّ لآحاد المكلّفين أن يعتبروا تحديد هذا المعيار الذي قامت الفتوى على أساسه من شؤونهم وبيدهم ، فكلّ أمرٍ يكون إيكاله إلى الآحاد موجباً للهرج والمرج أو المفسدة ، أي يختلّ فيه الضبط العام ، يُرجع في تحديد حكمه حينئذٍ إلى الفقيه ، لا لأن الفقيه قام دليل على حجية فتواه هنا ، بل لأنّ هذا هو السبيل الوحيد للالتزام بالشريعة ، درءاً لمادّة الفساد أو سدّاً للذرائع ، إذ لو ترك الأفراد أنفسهم لتحديد الأمر للزم - بقراءة عامة مجتمعية - حصول المفسدة ، وهو أمرٌ لا يجوز ، ولهذا لو عثرنا على سبيل ضبط آخر غير مرجعية الفقيه على المستوى الديني - وكلامنا على المستوى الديني - أمكن الأخذ بها لتحقيق المصلحة المذكورة أو دفع المفسدة . ومن الطبيعي هنا أن يجري بحث في التمييز المصداقي بين نوعي الموضوعات ، أي ما يوكل للمكلّفين وما لا يوكل ، مما لا مجال لبحثه هنا ، لكن ما أودّ أن أشير إليه أنّ القضية متحركة ، فرب موضوعٍ ما في ظرف زمكاني خاص مما يصحّ إيكاله إلى الآحاد ، فيما لا يصحّ ذلك في حقّ الموضوع نفسه في ظرفٍ آخر ، والمعيار دائماً هو