حيدر حب الله

44

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

مثلًا ، ولهذا يعتبرون أن الحجية إنما هي لفتوى الفقيه لا لرأيه العلمي ، وهذا بحثٌ آخر لنا ملاحظات عامة عليه نتركها إلى مجال آخر . المشكل الثاني : وهو على عكس المشكل الأول تماماً ، فالفقيه - غير الحاكم الذي له الولاية - ليس معنياً بتحديد موضوعات الأحكام ، أو مصاديقها ، بمعنى أنه يقول لك : إن ملاقاة الدم للماء القليل تنجّسه ، لكنه غير مسؤول عن تحديد حصول هذه الملاقاة في هذا الماء أو ذاك ، وإنما الأمر على هذا المستوى موكولٌ إلى المكلّف نفسه . وهذا مبدأ قَبِل به الفقه الإسلامي ، لهذا كانت الفتوى في مفهومهم لها عبارة عن الحكم الكلي على موضوعه الكلّي ، أي إن الفقيه لا شأن له بالموارد الجزئية التطبيقية ، وإلّا دخل الفقه في متاهات . وهذه الفكرة غاية في الأهمية في حدّ نفسها ، لكنّ الفقه والفتاوى لم تعمل بها دائماً ، فنحن نجد الكثير من الفتاوى في الرسائل العملية وغيرها لا تنطبق عليها هذه القاعدة ، والناس اعتادت على اعتبار هذه الفتاوى حجة ، رغم أنها ليست في حدّ نفسها حجةً وفقاً لقواعد الفقه نفسه ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً ، فيما ينتمي إلى غير ما يسمّى بالموضوعات المستنبطة ، فنجد فقيهاً يفتي بحرمة التدخين ، مع أنّه لا يوجد هكذا حكم في كتاب ولا سنّة على مستوى تعلّقه بعنوان التدخين ، وإنما الموجود هو حرمة الإضرار بالنفس ، وهو - أي الفقيه - اقتنع قناعةً شخصية أن التدخين فيه إضرار بالنفس ، لذلك حكم بحرمته ، على أساس صيرورته مصداقاً لمتعلّق الحكم بالحرمة ، ألا وهو الإضرار بالنفس ، مع أنّ هذا التحديد للموضوع - أي كون التدخين مضرّاً أو غير مضرّ - ليس من وظيفة الفقيه بما هو فقيه ، ودليل حجية الفتوى عندهم لا يشمل مثل هذه النتائج الموضوعية ، مع ذلك رأينا صيغة