حيدر حب الله

39

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

لتعينهم - أحياناً - على فهم الآيات القرآنية ؛ وبهذه الطريقة لا تُهدر دلالة النص لخصوصية المورد ، ولا يضيع السياق الموردي أمام النص ، بحيث يبدو النص وكأنه بُتر بتراً من سياقه المحيط ، ومثال ذلك ما ذكره بعض أساتذتنا من كبار العلماء المعاصرين في أبحاثه حول الخمس ، حيث جعل كلمة ( غَنِمْتُمْ ) الواردة في آية الخمس بمعنى غنائم الحرب ، لا لتخصيص الوارد بخصوص المورد ، بل لأنّ الكلمة مشترك لفظي له معانٍ متعدّدة في اللغة ، يترجّح واحدٌ منها بقرينة السياق ، ولو كان نظره هناك للسياق القرآني المحيط بآية الخمس . ثالثاً : إن فرص التأكّد من العلاقة بين النص وسياقه تظلّ ممكنة ، ولا سيما لمن مارسها ؛ وحتى لو لم نجزم بها فقد ذكر علماء أصول الفقه أن الشك في قرينية الموجود يوجب الإجمال في الدليل ، وهذا - على أبعد تقدير - نحوٌ من أنحاء الشك في قرينية الموجود ( وهو السياق التاريخي المحيط ) ، الأمر الذي سيترك أكبر الأكثر في تعطيل بعض نواحي الإطلاق في النص أو غير الإطلاق أيضاً ، وقد تعرّضنا بشيء من التفصيل لهذا الأمر عند بحثنا عن ( تاريخية السنّة الشريفة ) « 1 » . من هنا نعتقد أنه كلّما كان الفقيه ذا ثقافة واسعة في التاريخ الإسلامي على امتداد أشكاله كانت مقاربته للنصوص وقراءته لها أفضل وأقرب إلى فهمها فهماً واقعياً ، بدل قطع جذورها وأوصالها وقراءتها لوحدها كأنها مسقطة - بمعزل عن كل شيء - من السماء ، فليس الصحيح أنّ الغرق في الفقه وأصوله دون تكوين خلفية ثقافية تاريخية هو علامة العمق العلمي ، بل هذه الخلفية لها دورها أيضاً في هذا العمق ، فما يتردّد في الوعي واللاوعي من أن مثل التاريخ وعلومه إنما هو مجرّد حاجة ثقافية

--> ( 1 ) انظر : المصدر نفسه .