حيدر حب الله
104
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
فسياق الحديث الذي جاء حول هذه القصّة يدلّل على أن الهدهد لم يظهر في الاجتماع العام الذي عقده سليمان ، ثم جاء مخبراً عن قوم يعبدون الشمس من دون الله تعالى ، وهنا كان ردّ سليمان ، بحسب الآية القرآنية ، عقب إعلام الهدهد له بعدم عبادتهم لله سبحانه ، ما يلي : ( قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) ( النمل : 27 ) ، ثم طلب منه إيصال كتابه إليهم ، ويخبرنا القرآن الكريم عن مضمون الكتاب في النص التالي : ( قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ( النمل : 29 - 31 ) ، فاقترحت ملكة سبأ أن ترسل لسليمان هدية ، لكن ردّ سليمان كان صارماً ، ليعلن بعده ما يلي : ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ) ( النمل : 37 ) ، وفي نهاية أحداث القصة يظهر لنا القرآن خاتمة العلاقة حين تقول ملكة سبأ : ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ( النمل : 44 ) . هذه القصّة القرآنية تدلّنا على نهج جهاد الدعوة عند النبي سليمان عليه السلام والذي ينقله لنا القرآن دون أيّ تعليق سلبي على ما حصل ، ومن الواضح من ثنايا القصة أن مشكلة أهل سبأ لم تكن في اعتدائهم على سليمان وعلى المسلمين معه ، بل كان العنصر الأساس الذي قدّمه الهدهد في معلوماته حولهم يكمن في عدم عبادتهم لله ، وعبادتهم للشمس ، وعقب ذلك قرّر سليمان أن يأتوه مسلمين وإلا أرسل لهم جنوداً ، ونهاية القصّة تؤكّد أن الرسالة الأخيرة لها هي إسلام هذه المرأة مع سليمان لله رب العالمين ، فهذه القصّة خير دليل على منطق الجهاد الدعوى في القرآن الكريم ، بلا حاجة للذهاب إلى النصوص القرآنية ذات الطابع التقنيني والتشريعي