حيدر حب الله
105
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
لنتمسّك بشاهد هنا أو بإطلاق هناك ، إذ لا مبرر لسليمان في استخدام العنف ضدّهم سوى عدم عبادتهم لله ، بل لقد زاد محمد الطاهر بن عاشور ( 1393 ه - ) عندما رأى أن مشروع سليمان كان لاجتلاب خيرات بلاد اليمن إلى مملكته الصغيرة آنذاك في الأردن وتخوم مصر وبحر الروم ، وجعل تلك البلاد طريقاً لتجارته أيضاً « 1 » . هذا ما يمكننا بيانه للاستدلال بقصّة سليمان ، وبعد طرحها وبحثها وجدت أن الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي قد تعرّض لها أيضاً « 2 » . وقد يناقش الاستدلال بهذه القصّة القرآنية انطلاقاً من أنها ترجع إلى زمن الشرائع السابقة ، والمفروض أن الإسلام نسخ تلك الشرائع ؛ فالاستناد إلى موقف النبي سليمان استناد في غير موضعه الصحيح . وهذه الملاحظة تصحّ لو قلنا بأن مجيء الدين اللاحق ينسخ - بمجرّده - تمام الديانات السابقة ، على المستوى التشريعي ، فمجرّد إرسال النبي عيسى عليه السلام معناه أن التشريعات الموسوية صارت لاغيةً بأكملها إلا إذا جاء نصّ عيسوي يقرّ تشريعاً ما أو يعيد إنتاجه مجدداً ، أما لو قلنا - كما هي وجهة نظر جماعة من علماء المسلمين - بأن مجيء الديانة اللاحقة لا يبطل قانون الديانة السابقة برمّته ، بل يظل على حاله ، وإنما نتتبع الحالات الجزئية التي قد تنسخ الديانة اللاحقة فيها بعض قوانين الديانة السابقة ، فشرع من قبلنا حجّة علينا ، ما لم يرد دليلٌ ناسخ ، إذا قلنا بهذا كانت قصّة سليمان دليلًا ؛ بعد فرض عدم وجود دليل ناسخ لمنطق الجهاد الدعوى الموجود فيها . علماً أنّ نقل القرآن لها في سياق تعريف المسلمين بالحدث نوعٌ من الضخّ
--> ( 1 ) ابن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير 19 : 252 . ( 2 ) صالحي نجف آبادي ، جهاد در إسلام ( الجهاد في الإسلام ) : 92 - 94 .