حيدر حب الله
67
حجية السنة في الفكر الاسلامي
ويمكن تسجيل ملاحظات ناقدة على هذا الاستدلال هنا ، وهي : أولًا : الاستشكال في كون المراد من « تبيّن » ما هو غير بيان القرآن وإظهاره مقابل إخفائه ، بمعنى أن يكون المراد أننا أنزلنا إليك الكتاب لتبيّنه للناس ، فإن في بيانه لهم الهدى والرحمة ، ولا دليل على أن المراد بالبيان أمر آخر وراء إبداء القرآن للناس ، أو شرح القرآن نفسه ، فإن إبداء القرآن وذكره للناس بيانٌ له بما للكلمة من معنى ، إذ لو لم يذكر النبي القرآن للناس واحتفظ بالوحي لنفسه لا يكون قد بيّن القرآن وكشف عنه ، بل لظلّ القرآن مستوراً في قلبه ، وإظهار القرآن مهمّة عظيمة ومسؤولية جسيمة ، يفهم ذلك من تقريع القرآن بعض علماء بني إسرائيل في أنهم كانوا يخفون ما أنزله الله تعالى ويكتمونه ، وقد وردت آيات عديدة تنهي عن ذلك أشدّ النهي . يضاف إلى ذلك أن الله تعالى وصف القرآن بأنه يبيّن ما اختلف فيه الناس فقال سبحانه : ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( النمل : 76 ) ، فالقرآن يصلح بياناً لما اختلف فيه الناس ، كما وصف في القرآن بأنه هدى ورحمة ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( الأعراف : 52 ) ، وقال تعالى : ( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) ( لقمان : 2 - 3 ) ، فالأوصاف الواردة في الآية الثانية كلها ورد مثلها في القرآن في حق القرآن نفسه « 1 » . ثانياً : إنه لو تمّ هذا الدليل فلا يثبت مثل السنة المؤسّسة لما هو غير موجود في القرآن ، أو مثل فعل النبي أو تقريره ، لأن صدق الشرح عليه غير عرفي ، فيحتاج إلى قرينة ، إذ العرف لا يفهم من فعل النبي فكرة التبيين إلا إذا احتفّ الفعل بشاهد ما ، وليس هناك إلا أنسنا الذهني بأنّ كل تصرفات النبي شرحٌ للدين ، وهو محلّ الكلام هنا
--> والإنصاف : 47 ؛ وسلقيني ، الميسّر في أصول الفقه الإسلامي : 73 - 74 . ( 1 ) انظر : الأنعام : 157 ؛ والأعراف : 203 ؛ ويوسف : 111 ؛ والنحل : 89 .