حيدر حب الله

10

حجية السنة في الفكر الاسلامي

وثمّة ملاحظة نقدية أراها تسجّل عليّ لابدّ لي من الإقرار بها ، وهي أن الرصد التاريخي الذي قمتُ به كان مركّزاً على المذهب الإمامي ، فيما نظرية السنّة النبوية ليست حكراً في التراث الإسلامي على هذا الفريق أو ذاك ، فكيف تمّ تجاوز المشهد التاريخي في مدرسة أهل السنّة للشروع بدراسة معيارية ، مع أننا نعرف - كما سيلاحظ القارئ في هذه الدراسة - أنّ المساهمات السنّية في مجال حجية السنّة الواقعية بدرجة خاصّة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها إطلاقاً ؟ ! وهذه الملاحظة صائبة من حيث التدوين ، وليست كذلك من حيث الجهد الثبوتي للكاتب ، أي أنّه وإن لم يدوّن شيئاً في هذا المجال ، إلّا أن المطلوب منه أن يكون قد كوّن صورةً ولو في ذهنه الشخصي عن هذا الموضوع ، وسيكشف هذا الكتاب عن مدى هذه الصورة أيضاً رغم معياريّته . وفي ضوء المعطيات المذكورة ، ومدى أهمية دراسة مصادر الاجتهاد الديني ، قد يمكن تسجيل ملاحظة فنية على طبيعة التصنيف القائم في أصول الفقه الإسلامي ، وهي ملاحظة أوّل ما تسجّل على الشافعي ( 204 ه - ) الذي ركّز في بدايات دراسته الأصولية « كتاب الرسالة » على مسألة البيان وأنواعه ، ثم حصل التطرّق الأصولي فيما بعد إلى مسائل أخرى تتصل بمصادر الاجتهاد كالعقل والإجماع و . . ، وإذا أردنا أن نكون أكثر دقةً كان من اللازم أن تكون مباحث الألفاظ أو مباحث البيان لاحقةً على مباحث الحجج ومصادر الاجتهاد ؛ إذ العرش ثم النقش ، ففي البداية أركّز مصادر الاجتهاد وأثبتها ، ثم بعد ذلك أقوم بدراسة مباحث الألفاظ التي تدور حول نصوص بعض المصادر الاجتهادية كالكتاب والسنّة ، ولعلّ وضوح حجية الكتاب والسنّة لعب دوراً في هذا المجال ، كما أنّ الجانب اللغوي والأدبي في شخصية الشافعي ترك أثراً على اهتماماته وأولوياته التي لاحت مع كتاب ( الرسالة ) ، لتصبح الأسلوب المعتمد تقريباً في بعض التصنيفات اللاحقة .