حيدر حب الله

521

حجية الحديث

الأقل - في هذه الظاهرة ، وقلنا : إنّ المتشرّعة آنذاك عندما يسألون الثقات كانوا - ولو في غالب الحالات - يطمئنّون بقولهم ويحصل لهم العلم العادي على الأقل ، فلن يكون الاستدلال في محلّه ، وقد أثبتنا في تلك الدراسة وسنشير في بحث السيرة المتشرّعية إلى أنه لا دليل يفيد أنه كانت تحصل لهم الظنون غالباً من إخبار العدول أو الثقات ، نعم حصول الظن أحياناً فرضية معقولة ، لكن مثل هذه الإحالة تحمل على الحالة الغالبة والسائدة في الوسط الشيعي آنذاك . يضاف إلى ذلك أنّه لا إطلاق في هذه الروايات ولا توجد فيها صيغ تعميميّة ؛ لأنّها في مقام البيان من ناحية من يُؤخذ منه الدين ، وليست في مقام البيان من ناحية كيفيّة الأخذ وعوارضه ، فهي تقول : خُذ الدين من الرواة والثقات والعلماء ، أمّا هل يكون الأخذ بالظنّ أو باليقين ؟ أو هل يكون بالمباشرة أو بالواسطة ؟ أو غير ذلك ، فليست في مقام البيان من هذه النواحي ، كما هو واضح . وعليه ، فهذه الروايات لا دلالة فيها على حجيّة خبر الثقة ، بل تفيد حجيّة الخبر العلمي أو الاطمئناني لا الظنّي . وهذا الذي قلناه عاد وأقرّ به الشيخ الأنصاري نفسه في نهاية استعراضه لطوائف الروايات ، حيث ذهب إلى أنّ هذه النصوص كلّها يفيد القدر المتيقن منها « حجية خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء ويقبّحون التوقف فيه لأجل ذلك الاحتمال » « 1 » . فهذا الكلام من الأنصاري إقرار نهائي بعدم إثبات هذه الروايات لحجيّة خبر الثقة الظني ، وربما كان كلامه إشارة إلى بعض هذه الروايات ، لكننا نسأل إذا كان المعيار هو إفادة الاطمئنان فلماذا إتعاب النفس ببحث هذه

--> وهذا منه غريب لمن تتبّع طرائق المتقدّمين في تحصيل الوثوق الاطمئناني بالأخبار ، وانتشار هذا الوثوق بينهم ممّا حققناه بالتفصيل في مواضع عدّة ، وسيأتي . ( 1 ) الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 144 .