حيدر حب الله
512
حجية الحديث
ويلاحقهم ، ويستند البحراني في نظريّته هذه إلى بعض الروايات « 1 » . وبقطع النظر عن صواب نظريّة البحراني فهي - لو تمّت - تجامع أيضاً اليقين بالصدور مع عدم الحجيّة النهائيّة . 2 - إن تصوّر كثرة وجود أخبار متعارضة آنذاك عندهم - في عصر النصّ لا بعده - هو في حدّ نفسه افتراض غير واضح . إنّ أصل وجود ظاهرة التعارض لا شك فيه عندهم ، لكنّ الحديث عن كثرة هائلة في هذه الأخبار بحيث لا يمكن الجمع بينها ، وبالتأكيد لن تكون كلّها قطعيّة ، غير دقيق ، فمثلًا هذا الشيخ الطوسي اعتقد بعدم وجود تعارض بين أكثر من خمسة آلاف رواية استحضرها في كتاب الاستبصار ، وحتى لو كان العلماء اللاحقون قد اعترضوا على أكثر حلوله هناك ، إلا أنّه يكشف عن أنّ بعض علماء تلك الفترة لم يكونوا يقتنعون بأنّها جميعاً متعارضة ، بل كانوا يرونه تعارضاً أولياً ، كما أنه ليس من المعلوم أن يكون علماء القرون الهجرية الثلاثة الأولى مطّلعين كلّهم على ما نطّلع نحن اليوم عليه من أعداد هائلة من الروايات تكشف لنا حالات تعارض واختلاف ، فإنّ التراكم المذكور جاء تدريجياً ، فلا دليل يثبت وجود كثرة هائلة في النصوص المتعارضة أمامهم كي نتصوّر عدم إمكان يقينهم بالصدور ، وكلامنا كلّه كما قلنا في عصر النصّ لا بعده . 3 - إنه من الممكن أن يكون الراوي غير قاطع بالخبرين حال تعارضهما ، لكنّه لولا التعارض يراهما قطعيّين ، وهذا أمرٌ وجداني معقول ؛ فقد يخبرني شخصٌ ثقة بخبر يحصل لي يقين بمضمونه ؛ لشدّة وثاقة الرجل عندي ، كما يخبرني آخر مثله بعكسه فيكون الأمر عينه أيضاً ، فكلّ من الخبرين على حدة يحصل يقين بهما ، لكن لمّا تعارضا احتار الراوي فلجأ إلى الإمام لكي يرشده ماذا يفعل في هذه الحال ، وهو يصدّق الطرفين معاً ، فأشار له الإمام إلى جعل موافقة القرآن الكريم وسيلةً لكشف الخبر
--> ( 1 ) راجع : البحراني ، الحدائق الناضرة 1 : 4 - 14 ؛ والبروجردي ، نهاية الأصول : 509 .