حيدر حب الله

324

حجية الحديث

تفسيراً للمفردة ، بقدر ما بات هو التطبيق الشائع للكلمة بعد هيمنة الثقافة الإسلاميّة والقرآنيّة ، فالفاسق هو الخارج عن جادّة الشيء ، سواء سمّي فاسقاً في الشرع أم لا ، ولعلّ الذين عبّروا عنه هنا بالكاذب من المفسّرين أخذوا سياق الآية الشريفة ؛ لأنّ الفسق ما دام هو الخروج عن الحدّ الطبيعي للأمور ، فجعله في سياق الحديث عن الإخبارات يجعل الخروج فيه بمعنى الكذب ؛ إذ هذا هو المعنى المتبادر والمنصرف . وإذا رجعنا إلى الاستخدامات القرآنية للكلمة وجدنا : أ - استعمالها بمعنى الخروج واضحاً في مثل : ( إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) ( الكهف : 50 ) ، فلو كان الفسق خروجاً عن الدين للزم التكرار في كلامه تعالى ؛ لأنّ أمر الله مستبطن في كلمة الفسق . ب - واستعمالها في مقابل الإيمان ، كقوله تعالى : ( أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) ( السجدة : 18 ) ، وقوله سبحانه : ( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) ( آل عمران : 110 ) وقوله عز من قائل : ( وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ( النور : 55 ) ، وقوله تبارك وتعالى : ( فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) ( الحديد : 26 ) ، وقوله عز وجلّ : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) ( الحديد : 27 ) . ولعلّ هذه المقارنة والمقاربة في النوع الثاني من الاستخدامات هو الذي أوحى بتكوّن مفهوم الخروج عن الدين وإسقاطه على كلمة الفسق ، في حال يمكن أن يكون ذلك تطبيقاً جليّاً للانحراف والخروج عن الجادّة ؛ لأنّنا نستبعد أن تكون كلمة فاسق ذات معنى ديني في لغة الجاهليّة ، والاستخدامات القديمة لها لا توحي بذلك ، ولعلّ هذا ما يطلّ بنا على ما قيل من عدم وجود هذه الكلمة قبل الاسلام بصيغة اسم الفاعل . وعليه ، فالأقرب في الجذر اللغوي أن يكون معنى الفاسق هو الخارج عن الحدّ المستقيم وجادّة الوسط ومقتضى الشيء ، والتي يمثلها الإسلام أيضاً في أكثر من موقع .