حيدر حب الله
304
حجية الحديث
وهذا الوجه هو حصيلة الوجه : الرابع والخامس والسادس والسابع « 1 » من الوجوه التي أقامها الأسترآبادي على رفض الظنّ في الدين ، وعلى رأسه بالنسبة إليه الظنّ السندي الموجود في أخبار الآحاد . ويمكن أن تُناقش هذه المحاولة : أوّلًا : لقد خلط الأسترآبادي بين الظنّ وبين تعدّد الاجتهادات ، فتصوّر بأنّ تعدّد الاجتهادات واختلافها إنما هو وليد السبل الظنية في الدين ، مع أنّها ناشئة عن أسباب عديدة ومتداخلة ، فلا يوجد ربط منطقيّ بين اليقين ووحدة الرأي ، كما لا ربط بين الظنّ وتعدّده ، وهذا أمر بات واضحاً في الدراسات المعرفية الإنسانية ، وشاهدنا على ذلك أنّ الإخباريين أنفسهم اختلفت آراؤهم وفتاويهم فيما بينهم اختلافاً واضحاً ، ليس في الفروع الفقهيّة فحسب ، بل حتى في الأصول الاجتهادية ، بل يدلّ على ذلك واقع حال الأصوليّين أنفسهم ، فرغم أنهم اعتمدوا على اليقين غالباً في مباحث أصول الفقه نفسها ، وقعت خلافات عديدة بينهم ، قد لا تكون قابلةً للإحصاء العادي السريع . وحتى العلوم اليقينية في التراث الإسلامي كالفلسفة والعرفان والكلام ، كم وقع فيها من اختلاف وتشرذم ؟ وهذا كلّه شاهد على أنّ موضوع الخلافات الفكرية ليس رهيناً لمسألة شرعية الظنّ في الاجتهاد . ثانياً : لقد خلط الأسترآبادي أيضاً بين سهولة الشريعة وسماحتها وبين صعوبة المباحث الاستنباطية وتعقيدها ، فقد يحتاج الفقيه إلى أسفار عديدة في البحث الفقهي و . . إلا أنّ نتيجته تكون الرخصة والسّعة والسهولة ، فسماحة الشريعة أمرٌ راجع إلى نتائج البحث الفقهي لا إلى ممارسته وآلياته وقواعده ، إلا إذا قال بضرورة بناء الدين نفسه على سهولة الوصول إلى مختلف قضاياه في تمام العصور . بل لو راجعنا مصنّفات الإخباريين ألسنا نجد أبحاثاً موسّعة معقّدة أيضاً ؟ ألم يأخذ
--> ( 1 ) الأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 187 - 191 .