حيدر حب الله
199
حجية الحديث
من هنا ، وجدنا بعض التعابير التي تقول : الظنّ الاطمئناني أو الظنّ المتاخم للعلم ، وهذا كلّه يشي بأنّهم لم يفهموا العلم إلا بمعناه الذي عرفته الفلسفة العقليّة ، وهو اليقين الجازم الراسخ الذي لا يقبل الزوال من حيث هو موجود في ذهن صاحبه ، الأمر الذي جعلهم ينظرون لنصوص النهي عن اتباع الظنّ وعدم العلم على أنّها تشمل الاطمئنان وما أدرجه ابن سينا في شبه اليقين ، فلزمهم إخراج الاطمئنان وشبه اليقين والظنون الخاصّة عن تحت عمومات النهي القرآنيّة هنا ، ليلتفتوا فيما بعد إلى أنّ بناء حياة العقلاء على هذه الأمور التي لا تندرج في العلم . ب - إلا أنّ وجهة نظر أخرى تختلف في رؤيتها هنا ، وترى أنّ الذي تفهمه العرب من العلم واليقين قبل دخول علوم اليونان إلى الثقافة الإسلاميّة في القرن الثاني الهجري ، هو حصول حالة سكون النفس وعدم تذبذبها ، بقطع النظر عن مفهوم استحالة النقيض بالمعنى الفلسفي ، ولهذا كان ما يسمّيه الأصوليّون اطمئناناً بمثابة العلم عند العرب وفي لغتهم ، وإن سمّاه ابن سينا - كما أشرنا - شبه اليقين في بعض حالاته ، دون أن يخلع عليه اسم الظنّ ، ولا يوجد في كتب اللغة شيء عن حصر تعريف العلم بهذا المفهوم الأرسطي الخاص لليقين ؛ لأنّ هذا اليقين هو اليقين العقلائي والعلم العادي العرفي الذي تقوم عليه اللغات في عفويّتها ، ومعنى ذلك أنّ عدم اليقين يعني عدم وجود حالة استقرار في النفس تجعلها تنبعث وتتحرّك على وفقها عملياً - بصرف النظر عن انبعاثها عن غير العلم نتيجة الاحتياط - سواء وصل ذلك إلى حدّ اليقين الأرسطي أو كان ظناً غالباً تسكُنُ إليه النفس ، فإنّك إذا رجعت إلى آحاد الناس تسألهم في أكثر ما يقولون : إنه علم ، ستجد أنّهم يُبقون احتمال الخطأ بنسبة ضئيلة ، غاية ما في الأمر أنّهم لا يضطربون لوجود هذه النسبة عندهم من احتمال الخطأ ، ولهذا كان ذلك عندهم علماً ويقيناً . وهذا هو حال المجتمع العربي الذي لم يقدّم تعريفاً فلسفياً لليقين . وبناءً عليه ، فمقولة : عدم العلم - الظنّ ، لا تعني في مدلولها اللغوي العرفي ما لا يفيد اليقين في الاصطلاح المنطقي الصوري ، بل ما يشمل حالة الاطمئنان والوثوق