حيدر حب الله

198

حجية الحديث

شرحناه سابقاً عند الحديث عن التواتر ، ويقابله الظنّ الذي فيه درجة من الاعتقاد لكنّه لا يبلغ هذا الحدّ ، ودون الظنّ يقع الشك الذي تتساوى فيه الاحتمالات ، ودون ذلك يقع الوهم الذي تكون درجة الاحتمال فيه ضعيفة . أمّا حالة حصول اليقين ، لكنّه يقين لا يلتفت لاحتمال الخلاف فيه ، لا أنّه يلتفت له ، ثم يُجزم بعدمه وامتناعه ، أو هو لا يحتمل الخلاف ، لكنّه يقبل أن يزول منه ذلك لو نوقش مثلًا ، فهذا ما عبّر عنه ابن سينا في برهان الشفاء بأنّه شبه اليقين ، ففصله عن اليقين ، وميّزه في الوقت عينه عن الظنّ ، في رتب التصديق المقابل للتصوّر « 1 » . وهذا اليقين بالمعنى الأخصّ هو اليقين العقلي الذي تعرفه علوم الحكمة ، في مقابل اليقين العقلائي ، الذي هو في الغالب من نوع شبه اليقين ، وفقاً للتسمية السينويّة . هذا التقسيم المنطقي لدرجات الاحتمال في الذهن ، لا سيما تعريف اليقين بالمعنى الأخصّ ، حمله الأصولي معه إلى مباحث الظنون في علم أصول الفقه ؛ لأنّ علم أصول الفقه ولد أيضاً - على ما هو الأصحّ وفق ما قرّرناه في محلّه - من رحم علم الكلام ، الذي نما في إطار البحوث النقاشيّة مع علوم الحكمة العقليّة ؛ ولهذا لما واجه الأصوليّ مفردة الظنّ في النصّ الديني العربي فسّرها بعدم حصول حالة الجزم واليقين بالشيء يقيناً نافياً لاحتمال الخلاف ، وهو ما لا يجري في حالته قانون حجيّة القطع ، ولهذا تجد بعضهم يعبّر عن الاطمئنان بأنّه ليس بعلم ، ولهذا احتاجوا لدليل إمضاء جريان السيرة العقلائيّة على العمل بالاطمئنان كي يُثبتوا حجيّته ، فميّزوا بين حجيّته وأنّها اعتباريّة إمضائيّة ، وحجيّة العلم وأنّها ذاتيّة ؛ لأنّ المفروض أنّ الاطمئنان مغاير للعلم الذي تكون حجيّته ذاتيّة ، ومن ثمّ فهو لا يملك هذه الحجيّة ، بل يحتاج لغيره في خلعها عليه .

--> ( 1 ) راجع : محمد رضا المظفر ، المنطق 1 : 18 ، وابن سينا ، منطق الشفاء ( البرهان ) : 51 ؛ والفخر الرازي ، شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 12 - 13 ؛ وأيمن المصري ، دستور الحكماء في شرح برهان الشفاء 1 : 23 - 32 .