حيدر حب الله
53
بحوث في فقه الحج
ثانياً : إنّ كبرى حرمة الفعل العبثي غير ثابتةٍ ، ولا دليل عليها . نعم ، الاجتناب عن الأعمال العبثيّة هو الفعل العقلائي ، إلّا أنّ الإلزام به - ودائماً - أمرٌ لا دليل عليه شرعاً . الرابع : رواية ياسين الضرير المتقدّمة ، فهي صريحة في تشبيه الإمام عليه السلام الطواف خارج مقام إبراهيم عليه السلام بالطواف خارج المسجد ، وكأنّها بذلك تشير إلى مفروغيّة عدم جواز الطواف خارج المسجد ؛ نظراً لجعلها إيّاه في مقام المشبّه به الأجلى عادةً في وجه الشبه - الذي هو عدم الجواز هنا - من المشبّه ، وهذا معناه عدم إجزاء الطواف خارج المسجد الحرام . لكن يجاب عنه : أوّلًا : إنّ الرواية لم تذكر الطواف خارج المسجد ، وإنّما قالت : « بمنزلة من طاف بالمسجد » ، أي أنّها تشير إلى صورة أن يطوف الإنسان بالمسجد ، الظاهرة في وجود المسجد ، وقد قلنا سابقاً : إنّ العرف يحكم في هذه الصورة بعدم صدق الطواف بالبيت فيها ، الأمر الذي يوجب البطلان . ثانياً : إنّه من غير الواضح كون تشبيه الإمام عليه السلام الطواف خارج المقام بالطواف خارج البيت على نحو الإشارة إلى كبرى شرعية في المشبّه به ، فلعلّه إشارة إلى الارتكاز العرفي بعدم صحّة مثل هذا الطواف ؛ نظراً لعدم صدق الطواف بالبيت عليه لا تعبّداً بحرمة هذا الطواف حتّى لو صدق عليه أنّه طواف بالبيت عرفاً ، وهذا معناه أنّ الرواية لا تؤكّد على أزيد من مرجعيّة العرف هنا حتّى تكون مفيدةً لمطلبٍ زائد على الأدلّة العامّة في الطواف . هذا ، وقد يستدلّ لإثبات المسألة بما تقدّم في المحور الأوّل وقد عرفت المناقشة فيه . نتيجة البحث ونتيجة الكلام أنّ الشريعة الإسلاميّة أمرت بالطواف بالبيت العتيق ، وتحديد مصداق الطواف أمرٌ راجعٌ إلى العرف العام ، وهو لا يحكم بشيءٍ اسمه جغرافيا الطواف ، وإنّما يرى أنّ القضية متحرّكة ، والمهم على كلّ الأحوال صدق الطواف عرفاً ،