حيدر حب الله
229
بحوث في فقه الحج
3 - إلّا أنّ القضيّة تكمن في أنّ بعض التكاليف الشرعيّة التي ينجزها الإنسان قد تدفع في الطرف المقابل إلى معصية الله تعالى ؛ وأعطي مسبقاً مثالًا من باب المستحبّات ، فقد يُحرز الإنسان أنّه لو تزوّج امرأةً ثانيةً مع زوجَته فسوف يوقع ذلك زوجته في غير محرّم من المحرمات ، وكذا الحال في الواجبات ، فقد يكون ارتداء الحجاب أو التعلّم في المدرسة - وأحدهما واجب والثاني مستحبّ في الحدّ الأدنى - موجباً لدفع الآخرين لخلع حجاب الفتاة ظلماً وعدواناً ؛ ممّا يوقعهم في الحرام ، أو يعلم الإنسان أنّه لو حاور شخصاً آخر حواراً ، لنفرض أنّه واجب أو مستحبّ ، فإنّ الطرف الآخر سوف تصدر عنه مواقف غير شرعيّة بوصفها ردّ فعل سلبي على أداء المؤمن لوظيفته ، وهذه قضية عظيمة البلوى . وهنا ، لا موجب للخروج عن عنوان الوجوب والحرمة أو الإطاعة والامتثال ، لمجرّد أن الآخرين لا يعجبهم ذلك ؛ فإنّ هذا ما تعنيه آية : ( وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) « 1 » ، فإنّ روح هذه الآية يدلّ على أنّ الإنسان لا ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار آراء الآخرين ومواقفهم من إيمانه وتديّنه ، بل عليه أن يكون في شخصيّته الإيمانية قويّاً عصاميّاً لا تهزّه رياح آراء الآخرين فيه ومواقفهم ، وهذا ما تعطيه بعض الآيات الدالّة على أنّ القرآن يزيد الظالمين انحرافاً وفساداً وهلاكاً ، بعنادهم وكفرهم . نعم ، قد تطرأ عدّة عناوين ثانوية توجب تغيير هذا المبدأ الأصيل في الشريعة الإسلامية ، وهذه العناوين هي : العنوان الأوّل : عنوان حفظ حرمة المؤمنين ، وهو من العناوين الفقهيّة الأساسيّة ، فإذا لزم من أداء واجب أو ترك حرام هتك حرمة المؤمنين ، بحيث يصل الأمر إلى حدّ يتعدّى الفرد نفسه إلى حفظ حرمة الجماعة المنتسبة إلى الدِّين الإسلامي ، فهنا تحسب المصالح والمفاسد ، فإن وصل الأمر إلى حدّ أهميّة ملاك حرمة المؤمنين على الواجب الآخر سقط الوجوب ، والعكس هو الصحيح . ويختلف تشخيص الموارد ، ففي القضايا العامّة التي إذا أوكلت إلى آحاد الناس لزم
--> ( 1 ) . المائدة : 54 .