حيدر حب الله
223
بحوث في فقه الحج
الفعل الثاني به ، حتى لو كان هذا التقوّم على مستوى انعقاد النيّة وحصول الشوق إلى تحقيق الفعل الثاني . وهذه الحالة لها أمثلة كثيرة ، فقد يعلم المكلّف أنّه إذا صادق زيداً من الناس فسوف تضمحلّ في نفسه بواعث الإيمان ، ويقصر عن فعل الواجبات ، أو إذا عمل في الوظيفة الفلانية فسوف تعوقه - ولو في المستقبل - عن تحصيل سائر الواجبات ، أو أحرز أنّه بذهابه إلى المسجد ورفقته للمؤمنين فيه ، سوف تشتعل في نفسه جذوة الإيمان ، ويقوم بفعل الواجبات الأخرى بحيث إنّه لن يفعلها لو لم يحصّل مثل هذه المقدّمة ، فلا يبعد في هذه الحالات - ولو كان التأثير مستقبليّاً - أن يجب عليه أو يحرم هذا الفعل الآني الذي سيترك أثراً على أفعاله المستقبلية . ويكفي هنا الصدق العرفي في مفهوم المقدّمية بحيث يرى العقلاء أنّه مسؤول عمّا فعله ، لا ما إذا رأى العرف والعقلاء وجود الفاصلة بين الفعل الأوّل والثاني ، بحيث لم ينسبوا التقصير في الثاني إلى الأوّل ، بل إلى نية الفاعل أو عزيمته ، كما لو أحرز - بالإحراز الإجمالي - أنّه سوف يقع في الحرام لو تزوّج ، بحيث قد يؤذي زوجته ، ففي هذه الحالة لا يرى العرف - إلا في حالات نادرة - أنّه بزواجه قد حقّق مقدمة عصيانه أو إحدى معاصيه ، بل ينسبون ذلك إلى تقصيره بعد زواجه ، وإلا لو أخذ بمثل هذه الإحرازات الإجماليّة للزم تحريم أمور كثيرة يُعلم من الشريعة عدم تحريمها . ويمكن القول : إنّ العرف والعقلاء يوازنون هنا بين المصالح والمفاسد وبين صور المعاصي ، فيرون أنّه لو لم يقدم على الزواج أو الوظيفة - مثلًا - فسوف يقع في معاصي أو مفاسد أخرى ، لهذا يرون أنّه يجوز - أو قد يجب عليه - الزواج أو العمل الفلاني مع إلزامه برعاية نفسه فيما بعد الدخول في هذا العمل ، أو يقولون : إنّ هذه الإحرازات المستقبلية لا يعتدّ بها في مثل هذه الموارد لعدم ضبطها ؛ إذ يلزم منها تعطيل الحياة ، والإخلال بالنظام ، ما دام يحرز كلّ فردٍ ذلك ؛ لهذا لم يتصوّر أحد من الفقهاء التحريم هنا ، إلا في حالات خاصّة لها ظروفها الاستثنائية في العرف وعند العقلاء . 2 - الترابط بين أفعال المكلّفين مع بعضهم أمّا الصورة الثانية التي يترك فيها فعل أحد الشخصين تأثيره على الشخص الثاني ،