حيدر حب الله

221

بحوث في فقه الحج

وفي هذه الحالة تارةً يفرض الفعل الأوّل الموجب لانعدام الموضوع مباحاً ، وأخرى يفرض قد تعلّق حكم شرعي به من الأحكام الأربعة الأُخرى ، وفي المقابل تارة نفرض موضوع الحكم الثاني قد أخذ في تنجيزه التكليف الثاني البُعدُ الحدوثي فيه ، وأُخرى يفرض ضرورة البُعدين الحدوثي والبقاء . أ - فعلى تقدير كونه مباحاً بالإباحة بالمعنى الأخصّ ، فإن أخذ تنجيز الموضوع بوجوده الحدوثي فقط ، بمعنى أن يكون حدوث الموضوع - ولو انعدم بعد ذلك - كافياً في التنجيز ، ظلّ الحكم الثاني على حاله ، لفرض تحقّق مبرّر تنجّزه وفعليّته وهو البُعد الحدوثي لموضوعه ، إلّا أنّ الكلام في الفعل الأوّل فهل يتغيّر حكمه من الإباحة بعد لحاظ أدائه إلى ما أدّى إليه ؟ والجواب بالعدم ، إلّا إذا أوقع المكلّف في أمر لا يجوز إيقاعه فيه ، فيصبح حراماً على تقدير القول بحرمة مقدّمة الحرام وهكذا . . . ب - وأمّا على تقدير كونه مباحاً بالإباحة بالمعنى الأخصّ ، لكن أخذ تنجيز الموضوع بوجوده الحدوثي والبقائي معاً ، فهنا يسقط التكليف الثاني لفرض انعدام موضوعه بانعدامه في مرحلة البقاء ، إذا لم يكن قد حان زمن التكليف الثاني ، وإلّا فإنّ هذا التعجيز وإعدام الموضوع يصدق عليه عنوان التخلّف عن أداء الواجب ؛ فالمفروض أنّ الواجب قد صار فعليّاً وأنّه قد تحقّق وقته وتوجّه خطابه التنجيزي إلى العبد ، وهو لم يمتثل ، وبدلًا من أن يطيع أعدم الموضوع ، فهنا حتّى لو كان الخطاب لا يتوجّه إليه بعد ذلك لانعدام الموضوع ، إلّا أنّ العقاب على مخالفة الحكم يجري في حقّه على تقدير التنجيز ، وهذا معنى القاعدة التي أصّلها الأصوليّون ، والتي تقول : إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وإنّما ينافيه خطاباً ، فهذا العبد إذا أمكنه الإتيان بالفعل الثاني من بعد سقوط موضوعه ، فلا دليل يلزمه بهذا الإتيان ، لفرض انعدام فعليّة الحكم حينئذٍ ، إلا على بعض النظريات الأصوليّة التي تميّز بين الفعليّة والفاعلية في المقام ، كما يذكره السيد محمد باقر الصدر « 1 » .

--> ( 1 ) . انظر : محمد باقر الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل : 308 - 309 .