حيدر حب الله

220

بحوث في فقه الحج

على المكلّفين أن يحقّقوا موضوعات الأحكام ؛ لأنّ الحكم لا يبعث نحو موضوعه كما تقرّر في علم أصول الفقه ، وهذا معناه أنّه لا يوجد خطاب متّجه نحو المكلّف يحمّله مسؤوليّة تحقيق الموضوع حتّى يعارض أو يزاحم الخطاب الموجّه في التكليف الأوّل الذي حال دون تحقّق موضوع التكليف الثاني ، فيظلّ التكليف الأوّل على حاله حينئذٍ بلا معارض ولا مزاحم ، كما لا يتحقّق التكليف الثاني ممّا يرفع مسؤوليّته عن كاهل المكلّف على نحو الدفع ؛ لأنّ المفروض أنّ موضوعه لم ينعقد بسبب حيلولة امتثال التكليف الأوّل دون تحقّقه . نعم ، إذا كان موضوع الحكم الثاني ممّا تعلّق به - لا بوصفه موضوعاً - حكمٌ شرعي خاصّ ، كما لو نذر أن يجمع المال للحجّ ، عارض هذا الحكم الخاصّ مفاد الحكم الأوّل أو زاحمه ، فدليل استحباب الهدية يطالب المكلّف بالإهداء ، فيما دليل وجوب الوفاء بالنذر يُطالبه بالحرص على المال كي يتسنّى له تحقيق مقوّمات السفر هذا العام ، فيقع التزاحم ، ويقدَّم الأهمّ ، وفي مثالنا هو الواجب لتقدّمه على المستحبّ ، وتجري قواعد باب التزاحم حينئذٍ . الحالة الثالثة : أن يؤدّي فعل الفاعل إلى إعدام موضوع الحكم الثاني ، بمعنى أن يكون موضوع الحكم الثاني متحقّقاً ، لا يوجد ما يحول دون أصل انعقاده ، إلّا أنّ بقاء تحقّقه منوط بجملة عناصر موضوعيّة ، فالإقدام على الفعل الأوّل وفاءً للتكليف الأوّل سوف يؤدّي إلى انعدام موضوع التكليف الثاني ، ومثال ذلك أن تتحقّق الاستطاعة لكنّه يقوم بالتصدّق المستحبّ على الفقراء قبل حركة القوافل ممّا يُعدم قدرته على السفر ، أو يكون عنده الماء ويدخل وقت الصلاة فيريق الماء ويُعدم موضوع التكليف بالوضوء ، ممّا يجعله يُعجّز نفسه عنه . ومن هذه المسألة ما يسمّى في أُصول الفقه بالتعجيز ، إلّا أنّ صورة بحثنا لا تختصّ بحالة العجز ، كما في مثال الوضوء المتقدّم ، وإنّما تشمل حالة انعدام الموضوع للحكم الثاني مع قدرة المكلّف على الإتيان بالمتعلّق ، كما لو فرضنا قدرته على الذهاب إلى الحجّ ماشياً متسكّعاً لا زاد ولا راحلة معه ، فهنا لا يوجد تعجيز عن امتثال متعلّق التكليف ، وإنّما انعدام الاستطاعة ، طبقاً لاعتبارها الزادَ والراحلة .