حيدر حب الله

175

بحوث في فقه الحج

وعلى الاحتمالات الأربعة الواردة في كلمات اللغويّين أنفسهم ، لا يتغيّر الموقف ، فمجموع الاحتمالات مائل إلى الحصى إمّا بنفسها أو باجتماعها ، واختلاف اللغويّين في التعليل لا يضرّ بعد أن كان المعلّل عندهم واحداً ملحوظاً فيه الحصى والرمي ، على درجة أخفّ في التعليل الرابع . وهذا معناه ، أنّهم فهموا الجمرة بمعنى يرمز إلى الحصيات ولا يرمز إلى وجود عمود كما هو واضح ، وهو مطلوب المستدلّ . هذا ، مضافاً إلى أن المتتبّع لكلماتهم لا يتشكّك في أنّ عنصرين أساسيين كانا هما العمدة في تحقيق معنى الجمرة عندهم ، وهما : الحصيات والاجتماع ، وهو ما ينتج مفهوم كومة الحصى . خامساً : ما يمكن الردّ به على الاستدلال باللغة ، وحاصله : أنّ كلمات اللغويّين تشير إلى أنّ ما هو الموجود في منى بالتحديد يسمّى بالجمرات ، وتحلّل وجه التسمية على ما أشرنا إليه آنفاً ، لكنّها لا تعرّف الجمرات بصراحة ، وهذا معناه أنّ النصّ اللغوي متساوي النسبة إلى احتمال أن تكون الجمرة التي في منى هي كومة الحصى أو العمود الذي رمي وأحيط واجتمعت حوله الحصى ، فكما يصحّ أن يكون مراد اللغويّين أنّ الجمرة هي مجمع الحصى فقط وفقط ، كذلك يمكن جدّاً أن يكون مرادهم أنّ ما هو الموجود في منى - وهو الأعمدة - تسمّى جمرات ؛ لأنّها ترمى بالجمار أو لأنّ فيها مجمع الحصى وما شابه ، والنصّ اللغوي يبيّن الاستعمال ولا يشير إلى الحقيقة أو المجاز ، فلعلّ العمود سمّي جمرة لأنّ حوله مجمع حصى أو لأنّه يرمى بالحصى و . . . وهذا معناه أنّ كلمات اللغويّين ساكتة عن تحديد الجمرة ، وإنّما تلاحظ فقط خصوصيّة التسمية وملاكها ، فلا تصحّ دليلًا على أنّ الجمرة في خصوص منى هي فقط مجمع الحصى ، كما أنّها ليست دليلًا بالتأكيد على أنّها العمود ، فاحتمال العمود أبعد عن كلمات اللغويّين من احتمال غيره ، وإن لم ينصّ اللغويّون على أنّ مرادهم من الجمرة في منى هو العمود .

--> وكتاب العين للفراهيدي 1 : 311 ؛ ومجمع البحرين للطريحي 1 : 309 .