حيدر حب الله

32

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

يقينه بالأشياء ، فبدل ذلك اليقين الدوغمائي الجزمي الذي يرى وكأنّ الحقيقة صارت في يده قطعاً جزماً يقيناً بلا نقاش ولا خلاف و . . يصبح لديه يقين موضوعي يحتمل معه أنّه مخطئ ولو بدرجة الواحد من الألف ، دون أن يعني يقينه هذا أنّه على شكّ ، وهذا شيء سبق أن دافعنا عنه في أكثر من مناسبة ، وتعرّضت له أيضاً في كتابَيَّ : ( التعددية الدينية ) و ( مسألة المنهج في الفكر الديني ) . 4 - من الطبيعي أنّ فهم الإنسان للدين يختلف عن الدين نفسه إمكاناً ، فقد يتطابق فهمي للدين مع الدين وقد يختلف ، وهذا أمرٌ طبيعي ، لكنّ السؤال هو ما هو العمل في هذه الحال ؟ وأساساً هل تختصّ هذه الحال بالدين ؟ إنّ هذه الحال - وفقاً للأصول المعرفيّة نفسها - لا تختصّ بالدين ، بل تشمل مختلف العلوم الطبيعية والإنسانيّة أيضاً ، بما فيها الدراسات الفلسفية الوجوديّة والمعرفيّة ، التي تستوعب هذه الفكرة نفسها . . لكن ما هي النتائج ؟ وبعبارة أخرى : مجرّد أنّ فهم الدين قد يتطابق وقد يختلف مع الدين لا يعني أنّ الدين صار بلا معنى ؟ تماماً كالعلوم الطبيّة والكيميائية والفيزيائية والاجتماعية والنفسية التي تخضع لهذا المنطق الفلسفي نفسه ، ما هي النتيجة التي يفترض أن نخرج بها عمليّاً من وراء هذا الاستنتاج الفلسفي ؟ هل هي التحرّر من الدين ؛ لأنّ فهمنا له يختلف عنه إمكاناً أو دائماً ، ومن ثمّ يُفترض أيضاً التحرّر من جميع العلوم ؛ لأنّ فهمنا لواقعيّاتها وما تحكي عنه يختلف إمكاناً أو دائماً عن واقعيّاتها نفسها ؟ ! فلماذا في العلوم الإنسانية والطبيعية كنّا منسجمين بين فكرتنا والعمل على وفقها ، بينما عندما يصل الأمر إلى الدين تصبح هذه الفكرة الفلسفية سبباً في التخلّي عن الدين لصالح الإيمان