حيدر حب الله
259
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا . . ) ، هل يفترض أن يعيش أتباع المذاهب والأديان التي تمثّل أقلّيةً ، مواطنين من الدرجة الثانية ، كما يسمّى اليوم ؟ ! * إنّ هذه الآية الكريمة لا تعطي هذه النتيجة ، وذلك أنّ قوله تعال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) ( آل عمران : 118 ) قد يفهم منها أنّها تمنع عن جعل غير المسلم بطانةً للمسلم ، والبطانة مقابل الظهارة ، وهي ما يلي البدن من الثوب ، وإنما سمّيت بذلك لاطلاعها على الباطن ، والمقصود بالآية أن لا يُسمح باطّلاع غير المسلمين على أسرار المسلمين ، وانضمام غير المسلم لجيش المسلمين ووزاراتهم ومواقع السلطة الحسّاسة عندهم ، لا سيما مع ترقّيه في هذه المواقع العسكريّة وغيرها ، والجيش وبعض الوزارات والمسؤوليات من أوضح مصاديق البطانة التي تكشف المسلمين لأعدائهم . وهذه الآية لا تختصّ بالجيش ، بل تشمل مطلق استلام غير المسلم مناصب في الدولة الإسلامية بما يسمح له بالاطلاع على أسرار الأمور ، حتى لو لم تكن هذه المناصب على صلةٍ بالأمور العسكرية ، من هنا تأخذ هذه الآية مكانةً هامة في فقه الأقليّات ، وقد استند إليها غير واحد لتحريم السماح للأقلّيات الدينية - بل حتى المذهبيّة أحياناً - بتسنّم مناصب في الدولة ذات طابع حساس ورئيس ، خاصّةً موضوع انضمام الأقليّات للقوات المسلّحة . بل إنّ بعض الفقهاء المسلمين استندوا لهذه الآية لتحريم حتى بعض أنواع الوظائف على غير المسلم ، مثل أن يكون عاملًا يجبي الضرائب الزكويّة أو كاتباً في المحكمة يعين القاضي وهيئة المحكمة ، وبعض العلماء - مثل الماوردي وغيره -