حيدر حب الله
260
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ذهبوا إلى إمكان أن يكون الذمّي منفّذاً للأحكام الصادرة من القضاء أو الوزارات لا مُصدراً لهذه الأحكام . لكن سبق أن ناقشنا هذا الاستدلال في دروسنا في فقه الجهاد ، انطلاقاً من : أولًا : إنّ الآية قد ذكرت في ذيلها ، وكذلك في الآيات اللاحقة لها ، ما يمكن أن يمثل الملاك والمعيار الحقيقي لحرمة جعل غير المسلم من البطانة ، وهو أنّه لا يقصّر في إفساد أمور المسلمين ، بل يرغب في عنتهم وضررهم ومشقتهم ، ومعه تكون الحرمة مختصّةً بهذا النوع من الكافرين الذين يُخشى منهم الضرر والفساد ، بل وبالتمسّك بهذا المعيار يمكن تعميم الحكم للمسلمين أنفسهم ، بأن يقال : إنّ الآية طلبت عدم جعل كلّ من يُلحق الضرر بالمسلمين من بطانتهم وخاصّتهم ، ولا يُسمح بالاطلاع على أسرارهم ، حتى لو كان مسلماً . وقد تقول : إنّ قوله تعالى : ( لا يألونكم خبالًا . . ) ليست ملاكاً لهذا الحكم بمعنى شرط الوجود والتحقّق بل بمعنى شرط الاتصاف ، والمقصود من ذلك - بالاصطلاح الأصولي - أنّ الحكم عام ، وأنّ المولى سبحانه هو من شخّص ملاك هذا الحكم العام ، تماماً كما يُقال : صلّ فإنّ في الصلاة خيراً لك ، فإنّ هذا الملاك قد أخذ على نحو شرط الاتصاف الذي يتحمّل المولى الآمر مسؤوليّة الكشف عنه ، فيما يكون الأمر عاماً بالنسبة إلى المأمور ، وليست الجملة صفةً لقوله : ( من دونكم ) حتى يقال : إنّ النهي عن اتخاذ البطانة خاصّ بصنف خاصّ من غير المسلمين ، وهم الذين ( لا يألونكم خبالًا . . ) . من جهة أخرى ، إنّ الملاك المبرز إثباتاً على نوعين : أحدهما : ملاك للحكم العام ، وثانيهما : ملاك يخصّص الحكم ، والفرق بين نوعي الملاك هذين ، أنّ الملاك في الأوّل وإن بدا لنا غير متحقّق في موردٍ ما ، إلّا أن هذا لا ينفي الحكم في هذا