حيدر حب الله
256
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
إلى غيرها من الآيات الكريمة المتعدّدة التي تُعطي أنّ التعبير المشار إليه يُستخدم قرآنياً في الأمور العقدية والإلزامية أيضاً بشكل واضح ومكرّر وغالب ، الأمر الذي يرفع من احتماليّة الإلزام في الآية الكريمة ، وربما لهذا قال بعض علماء التفسير والكلام بأنّ الوصية من الله تكليفٌ وإلزام ، فإنّ كلامهم هذا لا دليل عليه إلا أن يقصدوا أنّ الأدبيات القرآنية قائمة - ولو بنحو الغلبة والكثرة - على استخدام هذا التعبير من قبل الله في الإلزامات . وبضمّ النقطتين السابقتين يصبح معنى الآية الكريمة : إنّ الله عهد إليكم أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين و . . ، فهو يجعل هذه المواريث والفرائض مما أثبته الله في عهده للناس وللمؤمنين ، فالله ذكر وبيّن للمؤمنين بأنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وغير ذلك ، وهذا تقرير للملكيات ، فهو لا يقول : أعطوا الذكر كذا وكذا ، بل هو يقرّر ما يستحقّه الذكر وما تستحقّه الأنثى وما تستحقه الزوجة وما يستحقّه الوالدان ، فهو بنفسه يُدخل في ملكيّة الورثة هذه المقادير ، ويقرّر ذلك للناس ويُعلمهم به . فهذا مثل آية الخمس ، حيث تفيد أنّ ما نغنمه فأنّ لله ولرسوله واليتامى و . . الخمس منه ، فهو يقوم هنا بإنشاء الملكيّة لهذه الأصناف الستة المستحقّة ، لا أنّه يعلن ملكيّتنا للخمس ، ويطلب منّا أن نملّك هذا الخمس لهذه الأصناف الستّة ، فتأمّل جيداً ، ولهذا يرى كثير من الفقهاء المسلمين أنّه بمجرّد تحقّق الغنيمة يكون خمسها ملك الأصناف المستحقّة للخمس فوراً ، والمطلوب منّا هو تسليم المال لمستحقّه ، فقد ملّك الله - وهو المالك الحقيقي - هذا المال لهذه الأصناف الستّة ، لا أنّه يطلب منّا أن نملّك نحن هذه الأصناف الخمسَ ، بل يجب علينا تسليمهم ما ملّكهم الله سبحانه .