حيدر حب الله

23

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الإجماع المنقول وسط التساهل العام في دعاوى الإجماعات يبدو أمراً غير موضوعي أبداً ، ما لم يحتفّ بشواهد خاصّة في حالات محدودة . وهناك فرق ينبغي التنبّه له أيضاً ويعرفه أهل الخبرة في هذا المجال ، بين تحصيل الإجماع في مسألة معينة وبين نفي الخلاف فيها ، فقد لا نجد خلافاً في مسألة معينة كلاميّة أو فقهيّة ، لكنّ عدم الخلاف يعدّ - في الترتيب - أقلّ قيمةً من ثبوت الإجماع ، إذ من الممكن أن لا تجد خلافاً ؛ لأنّ نصف العلماء لم يتعرّضوا لهذا الموضوع أصلًا ، وعدم وجود مخالف لا يعني أنّ الساكتين الذين لم يتعرّضوا لهذا الموضوع كانوا موافقين بالضرورة ، بل الأمر يحتاج إلى متابعة لنوعيّة الموضوع من حيث كون سكوتهم كاشفاً عن موافقتهم لينعقد إجماع سكوتي في هذا المجال أو لا . من هنا ، يمكنني القول بأنّ مساحة تأثير الإجماع في القضايا الكلاميّة هي مساحة محدودة جدّاً ، وهذا ما توصّل إليه النقّاد من علماء أصول الفقه في القرنين الأخيرين ، ودفع إلى تراجع قيمة الإجماع في البحوث الأصوليّة والفقهيّة أيضاً ، وإن كان تأثيره النفسي ما يزال حاضراً في الدراسات الفقهيّة ، بل حتى في الفتاوى ، على شكل احتياطات أو نحو ذلك . وقد كان أستاذنا الجليل السيد محمود الهاشمي حفظه الله يوجّهنا في العمل بدائرة معارف الفقه الإسلامي في السعي لعدم ذكر الإجماع دليلًا مستقلًا في أيّ موضوع إلا نادراً ، بل يُذكر في قسم التوصيفات فقط ، بمعنى أنّنا نذكر المسألة الفقهيّة ، ثم نذكر أنّه ادّعي عليها الإجماع أو انعقد عليها الإجماع ، ثم نبدأ بعد ذلك بذكر الأدلّة ، وهذه قناعة منه حفظه الله فيما يبدو بأنّ دليل الإجماع ينبغي عدم تظهيره بشكل فاعل ، ربما لأنّ زمنه قد انقضى بعد سلسلة الانتقادات