حيدر حب الله
24
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الشديدة التي تعرّض لها على يد الأصوليين خلال القرنين الأخيرين . إنّ الدرس الكلامي والفقهي والأصولي والحديثي والرجالي و . . يحتاج اليوم للتحرّر من تراث الاجتهادات القديمة للعلماء ، لا بمعنى تركها ، أو عيش شهوة التفلّت منها ، بل بمعنى عدم تقليدها وعدم نفوذها في اللا شعور ، فلا يمكن أن يكون الفقهاء والمتكلّمون هم الحجّة على أنفسهم ولأنفسهم ، في الأمور التي لا يكون للإجماع دور تاريخي اكتشافي فيها ، بل ينبغي الاحتجاج بالعقل وكتاب الله والسنّة الشريفة ونحو ذلك . ومن هنا فإنّني ومنذ مدّة لم أعد أذكر الإجماع أصلًا في بحوثي الفقهيّة والأصوليّة وغيرها ، إلا في مواضع نادرة تستحقّ التوقّف عندها ، وأدعو العلماء والمتكلّمين والباحثين للتحرّر تماماً من الإجماعات وعدم استعراضها في بحوثهم بوصفها أدلّة ، إلا في حالات خاصّة لها ظروفها الخاصّة . كما أدعو كلّ القيمين على مناهج التربية والتعليم الديني إلى العمل جيداً لتحرير العقول النخبويّة من هيمنة آراء المتقدّمين ، ووضع الأدلّة سلطاناً يتّبع في قضايا الفكر الديني عامّة ، وقد كان غوستاف لوبون ( 1931 م ) قد قال في كتابه المشهور ( سيكولوجية الجماهير ) ، بأنّ المحيط يلعب دوراً في تقليص ذكاء الفرد ؛ لأنّه يفرض عليه قيوداً في اللا شعور أن يفكّر بطريقة محدّدة ويضحّي بفرضيّات أخرى لا يسمح المحيط باختيارها أبداً ، وعلينا أن نتنبّه لمثل هذا الأمر ونحن نتعامل مع التراث الكلامي والفقهي . فكم من مرّة واجهتُ شخصيّاً الكثير من المشتغلين بالمجال الديني ومنهم من يُعدّ من النخبة ، وعندما تعطيه رأياً معيناً مع أدلّته فإنّه لا يتحمّله وينقبض وتتسارع دقّات قلبه ؛ لأنّ أحداً لا يفكّر بهذه الطريقة ، حتى لو كانت هناك أدلّة ،