حيدر حب الله
208
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
( ستؤول ) المعبّرة عن المستقبل ، ومثل هذه الأمثلة كثير . ففي الحقيقة ، يُراد من الاستخدام في كلّ هذه الموارد عدم الانتباه لشيء ما بصرف النظر عن زمانه ، فلا فرق في زمان الشيء المغفول عنه ، سواء كان هذا الشيء قد وقع في الماضي ، أم هو في الحاضر ، أم هو في المستقبل ، فلا يؤخذ في كلمة ( الغفلة ) وجود الشيء المغفول عنه في اللحظة الحاضرة المضارعة للغفلة نفسها ، وراجع الأمثلة العرفيّة لهذا الموضوع تجد ذلك واضحاً . وعليه ، فالآية الكريمة هنا تريد أن تقول : إنّ هؤلاء يعيشون ظواهر هذه الدنيا ، ولكنّهم غافلون عن مصيرهم الآتي في الآخرة ، وهذا معنى عادي جداً ومحتمل ، ويكفي أن يكون محتملًا جداً بحيث يمنع عن ظهور الآية في وجود الآخرة وجوداً فعليّاً . والأدلّة على وجود الجنّة والنار متعدّدة لا تنحصر عند العلماء بهذه الآية الكريمة وأمثالها . الموضوع الثاني : دلالة هذه الآية الكريمة على كون الآخرة باطن الدنيا ، والدنيا هي ظاهر الآخرة . وهذه هي النقطة التي ربما يمكن القول بأنّه قد تميّز بها بعض العرفاء ، فلم يعتبروا الآخرة حدثاً يأتي بعد حدث الدنيا زماناً ، بل هو واقع يقع في باطن هذه الدنيا ، ولهذا يسافر العارف للآخرة وهو في الأولى بجسده ، ويسبق وقائع الأشياء الطبيعيّة إذا صحّ التعبير ، فكأنّ الآخرة روحٌ بدنها الدنيا ، وكأنّ الدنيا بدنٌ روحه الآخرة . هذه النظرية لا نريد أن نبحث فيها الآن ، وإنّما أريد فقط أن ننظر في أنّ هذه الآية الكريمة هنا ، والتي ذكروها شاهداً على هذه النظريّة ، هل تدلّ عليها أو لا ؟ لنرجع قليلًا إلى سياق الآية ، ونرى قوله تعالى : ( ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى