حيدر حب الله
209
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ * أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ * أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ( الروم : 1 - 9 ) . إنّ الآيات تشير إلى مسألة الصراع بين الروم والفرس ، ثم تبيّن وعد الله بالنصر ، ثم تذكر بأنّ الله لا يُخلف وعده ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون هذا الأمر ، وإنّما يعلمون ظواهر الدنيا ، وهم غافلون عن الآخرة . . فماذا يعطي هذا التركيب ؟ يوجد هنا أكثر من احتمال تفسيري يمكنني طرحه : الاحتمال الأوّل : أن يكون المراد بالآخرة ليس يوم القيامة ، وإنّما أواخر الأمور ونهاياتها ، بمعنى أنّهم يعلمون ما يظهر لهم ، ولكنّهم لا يدركون ما سيأتي من أمور في قادم الأيّام ممّا لم يظهر لهم بعدُ ، تماماً كما هم يعلمون الآن أنّ الروم قد غُلبت ، ولكنّ الله وعد بنصرهم عمّا قريب ؛ فهو صاحب الأمر في ذلك كلّه لا غيره ، فلو أدركوا الله ووعده لفهموا أنّ الظاهر الذي يرونه ليس هو النهاية ، بل وراءه باطنٌ ما زال مخفيّاً عنهم ، وهو ما سيقع في قادم الأيّام من انتصار الروم على الفرس .