حيدر حب الله

207

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ) ، يقول العرفاء - حسب تفسير هذه الآية - : إنّ الدنيا والآخرة موجودتان الآن ، فالنشأتان موجودتان ، والآخرة باطن الدنيا ، ولكنّ مشكلتنا أنّنا نعيش مع نشأة واحدة . فهل تتفق مع هذا التفسير ؟ ولماذا ؟ وهل العرفاء يستندون إلى هذه الآية فقط أو لهم أدلّة أخرى على مطلبهم ؟ * يتضمّن سؤالكم موضوعين اثنين : الموضوع الأوّل : دلالة هذه الآية الكريمة على وجود الآخرة الآن . وهذا الموضوع لا يختصّ بالعرفاء ، بل ذهب إليه كثيرٌ من علماء الكلام المسلمين من الفِرَق المختلفة ، كما أنّ هذا الموضوع - بصرف النظر عن الموضوع الثاني - لا تدلّ عليه الآية ؛ لأنّ الذي يدعو إلى تصوّره هو تعبير ( الغفلة ) ، حيث يقال بأنّ الغفلة عن الشيء تستبطن وجوده ، فأنت لا تغفل عن شيء إلا إذا كان موجوداً بالفعل ، ولم تنتبه إليه ، أمّا إذا لم يكن موجوداً ، فإنّه لا تكون عندك غفلةٌ عنه . إلا أنّ هذا الكلام غير دقيق في الاستخدامات اللغويّة إذا أخذنا الوجود الفعلي للشيء ، لأنّ اللغة بمعناها الواسع تقبل استخدام موضوع الغفلة مع شيء لم يوجد بعدُ ، ويكون هذا الاستخدام عرفيّاً جدّاً ، وبلا حاجة لقرينة ، فأنت تغفل عن أمرٍ مستقبليّ لم يقع بعدُ ، لكنّه في معرض الوقوع ، فإذا قلت لك : انتبه لفروضك المدرسيّة ، ولا تغفل أبداً عن أنّ هناك تحديات تنتظرك ، فهذا لا يعني أنّ التحديات وجدت فعلًا ، بل يكفي أن تكون في معرض الوجود في مستقبل حياتك أو معلومة الوجود فيما سيأتي من زمان ، وأنت تقول : لقد كانت الدولة غافلةً عن ما ستؤول إليه الأمور في مجال التضخّم السكاني أو في مجال عدم الاهتمام بالبيئة ، فأنت استخدمت كلمة ( الغفلة ) رغم استخدامك كلمة