حيدر حب الله

12

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

من إشكاليّات أخرى لإرباك تلك الأدلّة . وكثيرٌ من الناس - لا سيما الذين يعتقدون بأنّ معرفة الله لا تكون إلا عبر العلوم الطبيعيّة - يشعرون بأنّ العلم له سطوة على موضوع معرفة الله أكثر من الفلسفة والبحث التحليلي ، وهذه نقطة سبق أن ألمحت إليها وعلّقت عليها ؛ ولهذا تجد أنّ البحث حول الله في الجدل القائم اليوم بين الإيمان والإلحاد يرتكز بشكل كبير جداً على مسألة بداية الكون ، وكأنّنا لو اكتشفنا بداية الكون فإنّ قضيّة الله سوف تُحسم نهائيّاً ، وإلا فنحن لن نحسم مسألة وجود الله أبداً ، مع أنّ الكثير من فلاسفة العالم لا ينطلقون لمعرفة الله من بداية الكون ، بل لا يجدون أيّ حرج في أن يكون العالم قديماً لا أوّل له ولا آخر ولا نهاية زمانية ولا مكانيّة له ، بل قد دافع بعض الفلاسفة الإلهيّين - في مقابل المتكلّمين - عن هذه النظرية دون أن يشعروا بحرج تجاه مسألة الله في الفكر الديني ؛ لأنّ الفلاسفة غالباً ما يعتمدون على واقعيّة الكون المعاصرة ، لا على نقطة بدايته السابقة ، فلتُراجع أدلّتهم بتأنٍّ أكبر لفهم هذه القضيّة التي أشرنا إليها مراراً . وقد رأينا بعض الناس الذين لم يسبق لهم مراجعة أدلّة الفلاسفة الأخرى يصرّون في الوقت عينه على حصر اكتشاف قضية الله من خلال زاوية واحدة فقط ، هي زاوية العلوم الطبيعية ، فقد حكموا على مختلف أدلّة الفلاسفة حتى قبل أن يقرؤوها ، أو حكموا ببطلانها ؛ لأنّ نمطها لا ينسجم مع طريقة تعامل العلوم الطبيعيّة ، وهذه ذهنية تتخذ موقفاً مسبقاً من الفكر الآخر ، ولا أجدها منطقيّة أو متحرّرةً بالشكل المطلوب ، فالمفترض أن نأخذ جميع أدلّة الفلاسفة بنظرة واحدة دون موقف مسبق ودون حساسية حتى من لغتهم ، ثم الحكم عليها بطريقة علميّة .