حيدر حب الله

24

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

داخلها مذاهب فهي غير صلبة ، ومن ثمّ فهي باطلة ، ولنقف قليلًا وقفة فلسفيّة جادّة عند هذا القانون المفترض لكي نسأل : ما الدليل عليه ؟ كيف أعرف أنّ فكرةً ما لو تفكّكت إلى مذاهب أو اختلفت وجهات النظر حولها فهي باطلة ؟ ما هو البرهان العلمي القاطع ( وليس نظريّة ) الذي يجعلنا متأكّدين من هذه المعادلة التي قام الكلام أعلاه كلّه عليها ؟ . . وأرجو أن نبتعد هنا عن الاستنسابات والكلام الشعاري والخطابي لنقدّم برهاناً علميّاً إيبستمولوجيّاً فلسفيّاً على ذلك . إنّ الانتقال من الخلاف حول ( أ ) إلى بطلان ( أ ) يحتاج لدليل علمي ، وأتمنّى أن يذكر لنا أصحاب المناقشة أعلاه دليلهم على ذلك ، وسنكون لهم من الشاكرين . وإلا فإنّ افتراض الإطلاقيّة في هذا الكلام سيعني أنّ علوم النفس والاجتماع والتربية والتعليم والفلسفة والتاريخ ومجمل العلوم الإنسانيّة ( بل حتى مثل الفيزياء النظريّة ) هي باطلة ومدحوضة ، فما أكثر اختلاف الرأي فيها ؟ لو شاهد إنسانٌ جريمة قتل صدرت من المدعو فؤاد ، ثم أخبر بذلك ، واختلف الناس في ارتكاب المدعو فؤاد لهذه الجريمة أم لا ، فهل يعني ذلك أنّ ادّعاء هذا الإنسان كان باطلًا في الواقع ؟ ! ألا تعني الفكرة أعلاه أنّ اليقين يُكْتَسَبُ من توافق البشر ، وليس من الدليل ؟ ! أليس هذا تحوّلًا جذريّاً في معايير المعرفة الإنسانيّة حتى لو قال به بعض فلاسفة الغرب ؟ ! قد يكون المراد : إنّ الفكرة لن تكون مدحوضة بل ستكون قابلة للإبطال ، وهذا كلام سليم ، فكلّ فكرة محلّ خلاف فهي - من زاوية خارجيّة ثانويّة - قابلة للإبطال ؛ لكنّ قابلية الإبطال بهذا المنظور الخارج - معرفي ، لا يعني فعلية الإبطال وصيرورتها خطأً ؛ ولا لزوم تضعضعها عند من يؤمن بها ، إذ لا ترابط بين الأمرين ، فليلاحظ جيداً ، فنحن نتكلّم في مقام فلسفي يحتاج لبراهين وليس