حيدر حب الله
83
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
بالموضوع ، وهو أنّه لا يوجد في القرآن الكريم ما يشير إلى حصول تقديرات أو قضاء إلهي جديد للناس في ليلة القدر يتعلّق بالسنة القادمة ، بمعنى لا وجود لفكرة تقول بأنّه في ليلة القدر تحصل قرارات جديدة ، كلّ ما في الأمر أنّ هذه الليلة يبيّن فيها ما تمّ تقريره إلهيّاً منذ الأزل بشكل غير واض . فالله وصف هذه الليلة بأنّها يُفرق فيها كلّ أمر حكيم ، والفرق بمعنى التمييز والفصل ، ففي هذه الليلة يصار إلى تمييز الأمر الحكيم وتبيين هذا الأمر ، فلو فرضنا أنّ ليلة القدر هي نقطة انطلاق نزول الروح والملائكة لبداية عام جديد ، فهذا ليس معناه بالضرورة أنّه تمّ تقرير أوضاع جديدة بقدر ما يعني أنّه تمّ البدء بتطبيق وتمييز وتبيين ما قرّر من قبل . فهنا لو أردت أن أستخدم التشبيه فإنّ الأمر يُشبه حالة اتخاذ القيادة العسكرية لمجموعة قرارات اليوم ، ثم إعلان هذه القرارات وتحويلها إلى حيّز التنفيذ من الغد ، حيث تقوم القوات المختصّة بالانتشار لبدء عملية فرز القرارات وتطبيقها بشكل منتشر وموزّع كلٌّ في موضعه المحدّد ، فليلة القدر هي ليلة التنزيل والفرق والإعلان وإصدار الأوامر بإخراج ما تمّ تقريره إلى حيّز الوجود ، فكأنّك وضعت خمس خطط ، وفي كلّ عام تبلّغ القوات المعنيّة بالبدء بتنفيذ الخطّة رقم واحد أو اثنين ، فتبدأ الملائكة بإطلاق الخطّة رقم اثنين مثلًا والشروع بتنفيذها على الأرض ، وفي العام القادم يتمّ إبلاغها ببدء الخطّة رقم ثلاثة وهكذا . . فليس في ليلة القدر قرارات جديدة أو ما يشبه ذلك ، بل هناك انطلاقة مرحلة جديدة من النشاط التكويني التنفيذي تحدّد بمدّة عام بناء على دوام وتكرّر ليلة القدر كلّ سنة كما عليه مشهور الإماميّة ، وخلافاً للقول بعدم تجدّد هذه الليلة كلّ عام وأنّها ليلة واحدة في التاريخ هي التي نزل فيها القرآن الكريم كما يراه