حيدر حب الله
438
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ولو أردتُ أن أنسج مسرحيّةً تراجيديّة درامية حول مآسي هذا القانون الذي يطبّقه حتى الناقد الموقّر هنا لكان أبشع من الصورة التي قدّمها الناقد نفسه . وحتى مفهوم تقسيم الأرض إلى أوطان صغيرة ، والذي عليه تقوم قيامة العالم المتحضّر اليوم ، هو قانونٌ ظالم جائر يضيّق من فرص تنقّل البشر على وجه الأرض ، ومن حريّاتهم ومن حقوقهم في الانتفاع بالطبيعة أينما كانت ؛ لأنها للإنسان كلّه . إنّ التفكير بهذه الطريقة النقديّة لا ينفع أبداً ، وليس بهذه الطريقة تبنى القوانين والحقوق ، وإنما بدراسة المبرّرات الموضوعية ورصدها وتأصيل الحقوق وفقاً لنظريّة فلسفية وعلميّة ، فلماذا في فرنسا - وهي البلد الأكثر تحرّراً في العالم - لا يُسمح قانونياً بكشف العورة في الشارع ، بل حتى بكشف المرأة لثدييها فيه ، ويجرّم مالياً من يفعل ذلك ، مع أنّ ذلك نقضٌ لحقوق الناس وحريّاتها ؟ ! ولماذا لم ننسج مأساةً تراجيدية تتعاطف مع الشباب الراغبين في التعرّي في شوارع باريس ؟ ! والقانون الفرنسي بالمناسبة يجرّم كلّ ظهور جنسي في الشوارع عدا الأماكن المخصّصة لذلك أو برخصة استثنائية من الدولة أو البلدية . وحتى محاربة المخدّرات هي ليست إلا ظلماً وقهراً ، فلماذا يُسجن ويحارَب ويضيّق على عشرات الملايين في العالم من مدمني المخدرات ، أليس من حقّهم العيش كما يشاؤون ؟ ! وإذا كان في ذلك ضرراً عليهم فما شأني أنا ؟ ! وهل أنا بالوصيّ على الناس ؟ ! فليضرّوا أنفسهم ويهلكوها ، فهذا شأن البشر ، وكلّ مسؤول عن فعله ، فكم من معاناة عاشها مدمنو المخدرات بسبب تضييق القوانين العالمية والمحليّة عليهم ؟ لو أردنا نسج صورة تراجيدية لأمكن التعاطف معهم ، بل مع الذين ينتحرون أو حتى ينظّمون جلسات انتحار جماعي !