حيدر حب الله
317
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
والإشكاليات ، بل يعني عدم الغرق في السياقات الجدليّة المقسية للقلوب والموجبة لتعمية الحقيقة ، أو خوض الجدال الكلامي من قبل شخص لا يليق بهذا المنصب ، ولا يُتقن هذه الصناعة ، ولهذا وجدنا بعض النصوص تحثّ بعض أصحاب الأئمّة على الجدل الكلامي من حيث لياقتهم ، كما في حديث الإمام الصادق عليه السلام لهشام بن الحكم : « مثلك فليكلّم الناس » ، أو في حديثه لعبد الرحمن بن الحجاج : « كلّم أهل المدينة ، فإنّي أحب أن يُرى في رجال الشيعة مثلك » . إنّ نصوص القضاء والفتيا والكلام كلّها تحمل روحاً واحدة . ويجب التنبّه للواقع التاريخي المحيط بصدور هذه النصوص - وهو القرن الثاني الهجري والنصف الأوّل من القرن الثالث الهجري - وهي الفترة التي ظهرت فيها شخصيّات كثيرة تصدّت لمنصب القضاء والإفتاء والكلام دون أن تحظى بأيّ مستوى علمي ، وشهد العالم الإسلامي ظهور ما عرف بأصحاب المقالات ، وهم رجال كثيرون - أقلّ مستوى من أصحاب المذاهب - كانوا يتقوّلون الآراء بلا أن تكون لديهم المهنيّة والأدوات العلميّة الكافية للتصدّي . هذه الظاهرة التاريخية التي تعرّض لها الباحثون في محلّه يجب أخذها بعين الاعتبار لفهم السياقات الزمكانية لتلك النصوص جميعاً ، والروايات المشيرة لهذه الحقيقة كثيرة ، كما في الرواية التي تحكي عن الحوار بين الإمام وأبي حنيفة ، أو بينه وبين بعض المفسّرين من التابعين وغير ذلك . ولا أقلّ من أنّ هذا الفهم لنصوص النهي عن الإفتاء والقضاء والكلام محتمل جدّاً ، الأمر الذي يعيق استنتاج النهي الشامل الذي أراده المستدلّون في سؤالكم أعلاه . سادساً : لو سرنا خلف هذا الفهم المشار إليه في سؤالكم ، لكان ينبغي تحريم