حيدر حب الله
318
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
التصدّي للرئاسة ، ونحن نسأل : لو حرّم الله على كلّ المسلمين في عصر الغيبة التصدّي للرئاسة فكيف ستسير بلاد المسلمين ؟ لو أنّ المشرّع حكم بحرمة التصدّي ، فهذا يعني أنّه شرعاً لا يجوز لأيّ مسلم التصدّي لشؤون الرئاسة ، كيف يمكن أن نفهم وجهة نظر المشرّع نفسه في واقعنا الحالي على تقدير التزام جميع الناس بهذا الحكم ؟ هل يعقل أنّ التصدّي للرئاسة الدنيوية هو في حدّ نفسه حرامٌ مطلقاً لجميع الناس في عصر الغيبة ؟ إذن كيف ستسير بلدان المسلمين ؟ وكيف ستنمو ؟ وكيف سيعمّها الهدوء والأمن والاستقرار وغير ذلك ؟ وكيف سيتمّ الدفاع عنها أمام هجوم الأعداء وعدوانهم ؟ نعم من حقّك أن تفهم نصوص النهي عن الرئاسة بأحد فهمين : الفهم الأوّل : إنّها تنهى عن حبّ الرئاسة وطلبها لغرض ذاتي لا لغرض ديني أو إنساني أو أخلاقي ، ولا عن أصلها ، وهذا ما تصرّح به بعض النصوص حيث تعبّر بما يعني الحبّ والطلب ، وإلا فكيف صار النبي رئيساً ما دامت الرئاسة خصلةً أخلاقية مذمومة ؟ ! لا سيما وأنّ نصوص النهي عن الرئاسة لا تقول بأنّها خاصّة بغير المعصوم فتأمّل جيداً . فهناك فرق بين أن أطلب الرئاسة وبين أن أمارس الرئاسة لو جاءتني ، فلا تدلّ النصوص - بناءً على هذا الفهم - على حرمة تولّي منصب الرئاسة ، بل على حرمة اللهث خلف هذا المنصب . وربما على هذا الفهم تصبح نصوص النهي عن الرئاسة ذات علاقة بالبُعد التربوي والأخلاقي ، لا بسلب حقّ جميع الناس في ممارسة السلطة ، وهذا ما جعل علماء الأخلاق المسلمين يضعون هذه النصوص في إطار بحثهم عن حبّ الجاه والمال بوصف هذا الحبّ خصلة أخلاقية مذمومة . وإلا فإذا كانت الرئاسة في ذاتها حراماً فكيف طلبها النبي يوسف لنفسه ؟ وكيف طلبها النبي سليمان