حيدر حب الله
30
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
أصول الفلاسفة يكون على الشكل التالي عادةً ، إذ يختلف الجواب عن هذا السؤال تبعاً لنظريّات الفلاسفة في حقيقة الروح : أ - فإذا أخذنا بالنظريّة الأفلاطونية التي هيمنت على الفكر الفلسفي قروناً طويلة حتى سيطرت على التفكير الإسلامي والديكارتي أيضاً ، كانت النتيجة سلبيّةً ، فهذه النظرية كانت ترى دوماً ثنائية الروح والمادّة ، وأنّهما صورة ومادّة ، أو أنّهما متلازمين بإرادة عليا كما في الفهم الديكارتي ، وكانت تقول بأنّ الروح منفصلة عن البدن أو تُخلق لحظة اكتمال البدن واستقباله لها ، ثم توضع فيه ، أو تهبط إليه من المحلّ الأرفع على حدّ تعبير ابن سينا في قصيدته العينية المشهورة . وفي هذه الحال لو خلقنا ألف جسم من الأجسام والكائنات الحيّة ، فلن نتمكّن من فرض وجود الروح والنفس بمجرّد التصرّف الدقيق فيزيائياً وعضوياً بالطريقة التي ذكرتموها ؛ لأنّ المفروض أنّ هناك كائناً مجرّداً متعالياً لا يخضع وجوده وعدمه لكلّ هذه النشاطات العلميّة المادّية ، والمفروض أنّه ليس تحت تصرّفنا ، فمهما وفّرنا له جسداً فلن يكون خلقنا له ممكناً ، إلا إذا افترضنا أنّ هناك قانوناً وجوديّاً يقول بأنّه حيث يتوفّر الجسد بالشكل الدقيق فإنّ الروح تهبط قهراً فيه ، وفي هذه الحال يكون ما فعلناه في الجسد تحقيقاً لموضوعِ قانونٍ وجوديٍّ يفرض هبوط الروح فيه ، لا أنّنا قمنا بخلق الروح بأنفسنا ، فليلاحظ جيداً . ب - أمّا إذا قلنا بالنظريّة الصدرائيّة ، والتي ترى أنّ الروح ليست شيئاً منفصلًا مستقلًا من الناحية الوجوديّة عن البدن ، حتى إذا ما اكتمل الجنين في بطن أمّه حلّت فيه ، وإنّما هي نوعُ ترقٍّ وجودي يحصل في المادّة والبدن نفسه ، بحيث يفضي هذا الترقّي القائم على الحركة الجوهريّة إفضاءً قهريّاً لتحقّق الروح