حيدر حب الله
31
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
المجرّد ، وهي في الحقيقة حركة جوهريّة تحوّل المادّي إلى مجرّد . ففي هذه الحال سيكون توفيرنا للبدن بالطريقة الصحيحة الدقيقة موجباً قهراً لحصول الحركة الجوهرية المفضية إلى تبلور الروح . ولكنّ هذا الأمر يخضع لفهمنا للشروط الميدانيّة لحصول الحركة الجوهرية المذكورة ؛ لأنّ الروح في نظرية الملا صدرا الشيرازي ليست معلولةً للمادّة ، بل هي نتيج طبيعي للحركة الجوهريّة في المادة ، والتي هي - أي الحركة الجوهرية - قانونٌ وجودي عام في عالم المادّة كلّه دون العوالم الغيبية المجرّدة تجرّداً تامّاً ، فإذا تمكّنا من اكتشاف تمام شروط الحركة الجوهرية في هذا الموضوع ، أمكن الجزم بتحقّق الروح عبر تحقيقنا لكلّ الموضوع والظروف التي تفرض ذلك ماديّاً ، لكنّ هذا لا يعني أنّنا خلقنا الإنسان بأنفسنا ، بل نحن وفّرنا الظرف المناسب لقيام قانون وجوديّ في المادّة يفضي إلى خلق الإنسان بوصفه الروح المجرّد . وعليه ، فالجواب يختلف بين النظريات التي ترى سبق الروح على البدن أو ثنائيّتهما ، وانتماء كلّ واحد منهما إلى عالم مختلف ، غاية الأمر أنّهما متلازمان ، وبين تلك التي ترى الروح نتاجاً لحركة جوهريّة في البدن نفسه ، ورتبةً وجوديّة أرقى للمادّة عينها ، كما في المدرسة الصدرائيّة . وعلى كلّ التفاسير ، يبقى أنّه لو حقّقنا كلّ المعطيات العلميّة فمن الممكن وجود الإنسان بوصفه الروح المجرّد ، غايته أنّه على النظرية الأولى نكون قد حقّقنا جزء الإنسان المادّي فقط ، أمّا على النظرية الثانية فنكون قد حقّقنا رتبةً وجوديّة منه ، يفرض قانون الحركة الجوهرية ترقّيها لرتبةٍ وجودية أعلى نسمّيها الروح .