حيدر حب الله

122

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الاحتياط في هذا الأمر ، لكن عندما تأتيك مرجّحات لتفسيرٍ ما فلا يصحّ البقاء بعيداً بحجّة أنّ أحداً لم يقل ذلك ، فالحقّ لا يترجّح بعدد المؤمنين به في الأمور المعرفيّة والعلميّة . وأنا ألقي درسي التفسيري الأسبوعي المتواضع ألحّ عليّ الكثير من الحاضرين مراراً بأن أذكر أصحاب الأقوال التفسيريّة ، فإذا قلت قولًا تفسيرياً فلابدّ لي أن أذكر صاحب القول ، وهذا شيء طبيعي ، ولكنّني تعمّدت أن لا أفعل ذلك ، والسبب هو واقعنا المعرفي الذي وبمجرّد أن تنسب التفسير إلى عالمٍ لا يعجب المستمع تصبح في النفس ردّة فعل سلبيّة تعيق الاقتناع بالتفسير واكتشاف عناصر القوّة فيه ، والعكس هو الصحيح أيضاً . لماذا هذا الواقع ؟ لأنّ فضاء التربية والتعليم عندنا هو فضاء تقليدي في بعض جوانبه ، ويحتاج أن يتدرّب الإنسان لفترة ليست بالقليلة على أن يتعامل مع الأفكار ، فتكون كلّ التفاسير عنده مطروحة على بساط البحث تخضع - بدرجة واحدة - للنقد المجهري والتقويم العلمي وفق الأصول التفسيرية التي يختارها بنفسه على مستوى المنهج ، أمّا وبمجرّد أن يصبح صاحب القول أو الانتماء الفكري المعيّن مرجّحاً لصالح أو ضدّ هذا التفسير أو ذاك ، فهذا يعني أنّنا خرجنا من الحلقة البحثية العلمية إلى اصطفافات ، وبالإمكان التنبؤ بالنتائج في هذه الحال . من هنا ، لا أحبّذ أن نطلق أحكاماً مسبقة في نبذ التفاسير القديمة والأخذ بالجديدة بواسطة إطلاق شعارات ، حتى لتجد بعضنا متحمّساً لفهم القرآن وفق أصول اللسانيات الحديثة والسيميائيات ، وعندما تسأله : ما هي هذه العلوم ؟ تكتشف ( وهذا ليس افتراضاً أو تهمة - والعياذ بالله - بل شيء رأيناه في حياتنا )