حيدر حب الله

106

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

إثبات وجود الصانع لا يسمح له بذلك ، لهذا فهو - ككثير من الفلاسفة والمتكلّمين - بحاجة لخوض مرحلة ثانية لإثبات تمام الصفات الكماليّة الأخرى ، وحيث إنّه لم يكن بصدد ذلك لهذا كفاه هذا الدليل في إثبات الصانع الفاعل العاقل . وبرهان إثبات الفاعل العاقل بالاستقراء يكفي فيه إثبات العاقليّة لا إثبات تماميّتها من سائر الجوانب ، بمعنى لو أنّنا عثرنا على كتابٍ في الرياضيات ، فإنّ المنهج الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات يثبت لي أنّ هذا الكتاب لم يأت صدفةً بحيث اجتمعت حروفه في الهواء صدفةً لتنزل على صفحاته فيخرج كتابٌ رياضي معقّد ورائع ومذهل ، وهنا لو فرضنا أنّ في هذا الكتاب خطأ أو أكثر في بعض المعادلات الرياضيّة فهذا يثبت خطأ الكاتب ( الفاعل العاقل ) لكنّه لا يلغي فرضيّة أنّ هذا الكتاب قد جاء بفعل فاعلٍ عاقل لا من الصدفة وبلا علّة أو من ذاته أو من فاعل لا عقل ولا وعي ولا إدراك له ، وهذا ما كان السيد الصدر بصدد إثباته . فحتى لو فرضنا أنّ الزلازل والبراكين وغيرها تعدّ مشاكل في صنع الكون ( وكثير من الفلاسفة المتأخّرين لهم وجهة نظر في برهان النظم أساساً ) لكنّ الكون رغم وجودها يظلّ يساعد بطريقة المنهج الاستقرائي على إثبات الفاعل الصانع العاقل لهذا الكون ، أمّا إثبات تمام الصفات الكماليّة الأخرى له كالعدل والخيرية المطلَقَين فيحتاج لاستئناف أبحاث جديدة في الصفات ، وهناك لابدّ للسيد الصدر من أخذ ما أشرتم إليه بعين الاعتبار لكي تكتمل الصورة عنده ، فالحكمة بمعنى العقل شيء ، فيما الحكمة بمعنى الهادفية والخيريّة والعدالة والكمالية المطلقة شيء آخر ، فلا يرد إشكالكم على السيد الصدر في الأسس