حيدر حب الله
93
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
نستنتج من هذا كلّه ، أنّ عندنا نوعين من العلوم : أ - علوم حصوليّة ، تكون فيها بين العالم والمعلوم واسطة ، هي المفهوم أو الصورة الذهنية . ب - وعلوم حضوريّة ، لا فاصلة فيها بين العالم والمعلوم ، بل المعلوم يحضر بنفسه عند العالم ويدركه العالم إدراكاً إحساسيّاً باطنياً لا ذهنياً صورياً ، تماماً كإدراكنا لوجود ذواتنا . وهنا يقول العرفاء والصدرائيون بأنّه كلّما غرقنا بالعلوم الحصوليّة ، فنشّطنا العقل في مجال فهم ما تعطيه الحواس أو فهم النصوص أو فهم النظريات . . فنحن نستغرق بمعرفة دونية ، ونلتهي بنوعٍ من المعرفة يفصلنا عن المعلوم الذي نريد معرفته ، وننشغل بالعلم الحصولي عن العلم الحضوري ، لهذا فهم يرون العلم حاجباً وحجاباً ، أي إنّ الانشغال بالعلم الحصولي بأنواعه يلهي الإنسان عن الاستعداد والترقّي للاتحاد بالمعلوم ، وإدراكه إدراكاً حضورياً ، فلا بدّ إذاً من التطهّر من هذه العلوم استعداداً لبلوغ مرتبة العلم الحضوري عبر السير والسلوك إلى المبدأ وهو الله تعالى ، فهل يصحّ للإنسان أن يعلم بوجود نفسه بالعلم الحصولي وهو قادر على الإحساس الباطني بذاته ؟ ! لكنّ كلامهم هذا لا يعني بالضرورة أن نبقى في غيبوبة عن عالم المادّة أو عن النصوص أو عن العقل ونشاطه ، كيف وصدر المتألّهين الشيرازي ( 1050 ه - ) كان يحيا كما يعيش الناس ، وكان يفسّر النصوص في كتبه ، بل له تفسير لبعض آيات وسور القرآن الكريم وشرح وتفسير آخر لأصول الكافي أيضاً ، وكان يعمل بالعقل في اجتهاداته الفلسفية ، إذاً فهم لا يقصدون الغيبوبة عن العقل والحسّ والنص ، بل يقصدون عدم الغيبوبة عن القلب والحضور والشعور