حيدر حب الله
514
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وهذا الذي نحن فيه منه ، فلو فهمنا الواقع العام الذي تمرّ به الأمّة منذ ما يزيد عن القرن ، لفهمنا بأنّ ظهور تيّارات نقد هو شيء حتمي ، وعلينا الإقرار بواقعيّته وحتميّته ، والتعامل معه على أنّه أمر واقع ، لا أن نتعامل معه على أنّه شذوذ ليس من المنطقي أن يظهر ، فهناك فرق بين التعامل الوجودي الأنطولوجي مع الظواهر الاجتماعيّة ، ووعيها من حيث المبرّرات الوجودية لتكوّنها وظهورها ، وبين التعامل القيمي الأخلاقي والمعرفي معها ، فقد أحكم بخطأ تيار فكريّاً ، لكنّ هذا لا يعني أن لا أتفهّم أسباب وجوده ، أو أن أتفاجأ من ظهوره أو أن أتوقّع تلاشيه كليّاً . تاسعاً : لو سألنا أنفسنا سؤالًا : عندما يكون هؤلاء النقّاد ( الملعونون والمنبوذون ! ! ) قلّةً نسبياً لا تملك سلطة سياسيّة ولا دينية في الغالب ، ثم بعد ذلك تقوم بعض الحوزات والشخصيات العلميّة بمواجهتهم بهذه الطريقة ، ماذا يؤشر ذلك لنا من زاوية اجتماعيّة ومعرفيّة ؟ إنّه يدلّني على أنّ هذه الشخصية أو تلك تبدو عاجزة عن المواجهة الفكرية والانتصار فيها ، وأنّها تريد التعويض عن هذا الضعف الناخر فيها بقمع الآخر وترهيبه ومحاصرته ، هل هذه نقطة قوّة أو ضعف ؟ لو كان الحقّ معي فلماذا أنا عاجز - مع أنّني أملك عبر الزمن أرقاماً فلكيّة من المال ، وطاقات بشرية هائلة - عن مواجهة هذه التيارات بتأسيس مراكز أبحاث ، وتربية أجيال جديدة من العلماء الفاهمين المتخصّصين ، وإرسال طلاب العلوم الدينية إلى الغرب للتخصّص في الفكر الغربي ، وتربية جيل علمائي متعمّق ، وإخضاع العلماء لدورات التأهيل المتواصلة كلّ عام ، وتأسيس القنوات والمجلات والفضائيّات والصحف والكتب والمعاهد التعليمية القادرة على نشر الفكر الحوزوي الذي يواجه هذه التيارات الموسومة ( بالضالّة ) .