حيدر حب الله
353
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
كنت أريده هو أنّ الفقهاء في جملة من الموارد ضحّوا بعدد من النصوص لأنّهم رأوا فيه لساناً أخلاقياً ، مع أنّ المراد مسألة قانونيّة ، وفي تقديري أنّه حصل عكس ذلك في بعض الموارد أيضاً ، فظُنّ أنّ اللسان قانوني وهو لا يهدف إلى عناصر قانونية إلزاميّة أو محدِّدات وضعيّة حقوقية . وما يدفع لإعادة النظر في هذا الموضوع نقطة أعتقد أنّها بالغة الأهميّة ، وهي أنّ اللغة القانونية هل كانت تستخدم بهذه الطريقة اليوم في النصوص الدينية القرآنية والحديثية في القرن الأوّل الهجري ؟ هل العرب تعرف في لغتها لغةً قانونية بهذا الحجم من الصرامة أمّ أنّ اللغة العربية الأولى لا تحوي هذه التدقيقات المتأخّرة . فمثلًا هذه التمييزات بين الحرمة والكراهة ، أو فكرة أنّ النص مطلق يستوعب كلّ الموارد ، فإذا جاء نصّ يخالفه في مورد جزئي حصل التقييد ، هل هناك في لغة العرب إطلاق كلّي ، أم أنّ البيان يساق على الأعم الأغلب ؟ هذا موضوع خطير جدّاً ، يعود إلى تحليل الفترة التي دوّنت فيها اللغة العربية من معاجم ونحو وصرف وبلاغة ، كيف تمّ ذلك ؟ وهل تركت عقليّة المدوّنين المعاصرة للزمن العباسي - وهو زمن الحركة العلمية - هل تركت أثراً على كيفية فهمهم للغة وعرضها للمسلمين والعرب وغيرهم فيما بعد ؟ القرآن الكريم مثلًا يقول : ( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) ، هل حقّاً كانت مكّة تجبى إليها ثمرات الدنيا ؟ نحن نشعر بأنّه ليس المراد ذلك ، والنصّ فيه كلمة ( كلّ ) الدالّة عند الأصوليين والنحاة على العموم ، ومع ذلك لا نجد قرينة المجاز هنا ولا نحسّ بالتجوّز ، ممّا يعني أنّ كلمة ( كلّ ) تستعملها العرب في الأكثر أو مبالغة في الكثرة . مثلُ هذه المفاهيم من شأنها أن تعيد فهمنا لكلّ بُنية مباحث الألفاظ في أصول