حيدر حب الله

329

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

فليس هناك في النصوص مقدار متيقّن يمكن الوثوق بصدوره يدلّ على الحرمة بنفسها ولو من دون هذه العناوين جميعاً ، كما هي الحال في أغلب وظائف الدولة في هذا العصر ، بل قد وردت في بعض النصوص الرخصة في التولّي إذا كان في ذلك مصلحة للناس وللإخوان ، كما حصل مع علي بن يقطين في العصر العباسي . والنتيجة : إنّ الحصول على وظيفة في دولة غير شرعيّة - على الخلاف في معيار شرعيّة الدولة ، وهل هو إسلاميّتها أم مقبوليتها الشعبيّة - مع عدم الاعتراف القلبي بهذه الدولة ، ليس محرّماً ، إلا إذا أوجب حراماً أو الإعانة للظالمين على حرام ، أو أوجب تقوية الظالمين والانضواء تحت لوائهم ، فيكون حراماً ما لم تكن مصلحة أهم . علماً أنّ من أبرز المصالح الهامّة اليوم والتي يحتاج الفقيه للنظر فيها هو أنّ تحريم الوظيفة في حكومة الظالم ودولته معناه انزواء المؤمنين عن الوظائف ومواقع النفوذ وامتلاك غيرهم من غير المؤمنين لها ، الأمر الذي يضعف المؤمنين ويفوّت عليهم تأمين مصالح جماعتهم داخل الدولة وعلى المستوى العام ، وهو أمر مهم جدّاً في هذا الإطار ، قد يؤدّي عدم الالتفات إليه إلى مآسي على أبناء مذهب معين أو على المؤمنين والحالة الدينية . وعلى الفقيه أن يلتفت إلى ذلك في فتواه هنا ليلاحظ المصالح الأهم على مستوى الأمّة حتى لا تُترك الوظائف ومواقع الحياة المختلفة لغير المؤمنين ، فيبقى المؤمنون أو الأقلّيات في عزلةٍ وضعف ، لا يدافعون معهما عن أنفسهم أو يحقّقون مصالحهم ومطالبهم المشروعة في ظلّ أنظمة غير عادلة ولا تعطي المواطن حقّه بشكل متوازٍ ، لا سيما في حالة ما إذا كان تمنّع المؤمنين عن الوظيفة في دوائر هذه الدولة لن يُضعفها أبداً