حيدر حب الله

316

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

لجواز الكذب ؟ أليست مجانبةً للتقوى ومدعاةً للرذيلة والتهاون ؟ * هناك أمر يجب أن نضعه على الدوام نصب أعيننا في هذه الحالات ، وهو التمييز بين النظرية والحقّ وخدمتهما ، وبين شيء اسمه التحايل على النظرية أو التلاعب بالحقّ أو سوء استغلال الحقّ ، فالموارد التي ذكرتموها ليس فيها - من الناحية النظرية - مجانبةً للتقوى أو تهاوناً بالدين والفضيلة ، بل على العكس من ذلك فإنّ في بعضها تديّناً ومراعاة زائدة للتقوى ، كما أنّها تعبّر عن مرونة الفقه وتكيّفه : 1 - أما الموارد التي تعبّر عن تديّن ، فالكذب لإصلاح ذات البين ، فلو كذب الإنسان لكي يصلح بين عشيرتين أو قبيلتين أو جماعتين ، فيحقن بذلك دماءهم ويوقف التخاصم فيما بينهم ، أليس هذا من الحرص على الدين وعلى المسلمين وعلى الإنسان ؟ فلماذا يجب أن أفترضه دعوةً للرذيلة ؟ كذلك الحال في الغيبة لأجل النصح والإرشاد ، فلو كنت تعلم رجلًا سيئاً سارقاً ظالماً معتدياً على زوجته التي ماتت بسببه ، ثم جاءتك فتاةٌ بريئة تريد أن تستنصحك في الزواج منه ، هل يكون من الشرّ أن تنصحها ، أم يكون من الخير أن تتركها عرضةً لمظلمة ومهلكة ؟ ! فبعض الحالات التي أشار إليها الفقهاء ترجع في واقع الأمر إلى مزيدٍ من الحرص والإيمان والفضيلة ، فلو كنتَ أمام خيارين : إمّا أن تعترف على مقاومين مناضلين سألك العدوّ عن أحوالهم ، أو تكذب عليه وتضلّله ، فأيّهما الأكثر تديّناً وتقوى وفضيلة ؟ أتزجّهم في السجون باعترافك أم تتحايل على العدوّ ، فتختلق له الأكاذيب ؛ كي تقوم بتضليله لحماية نفوس هؤلاء المجاهدين وأرواحهم ليدافعوا عن الإسلام والأوطان ؟ ! 2 - إنّ وجود استثناءات في كلّ قانون ليس نقطة ضعف في هذا القانون ، بل