حيدر حب الله

317

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

هي - من وجهة نظري المتواضعة - نقطة قوّة ، لا سيما عندما ندخل في القوانين التفصيليّة ، والسبب في ذلك أنّ حياة الإنسان متداخلة متشابكة تتعارك فيها الظروف والمعايير ، فلو أنّك وضعت قانوناً موحّداً لا استثناء فيه لتضارب هذا القانون مع قوانين أخرى ومصالح أخرى في مكانٍ ما . خذ مثالًا الصوم ، فهو واجب ، لكن لو أكرهك شخصٌ على تركه وإلا قتل أولادك أو قتلك ، فإنّ المقنّن هنا سيصبح أحمق لو منعك من ترك الصوم . وكذلك الحال في قتل نفسك ، فهو حرام ، لكن لو غزا العدوّ بلادك وأراد إلغاء هويّتك بكلّ ألوانها ، وأراد قتل الناس وإبادة الأطفال وإهلاك الحرث والنسل ، فهل يمكن للقانون أن يقول : لا يجوز لك قتل نفسك وتعريضها للخطر ؟ أليس هذا القانون الذي يجعلني غير مبالٍ بسفك دماء الأطفال في وطني قانوناً غير حكيم ؟ إنّ الأغلبيّة الساحقة من القوانين التفصيليّة ( وليس المبادئ الدستوريّة العليا على الأقل ) يحكمها هذا الوضع ، لا فرق في ذلك بين القوانين الدينية والتشريعات الوضعيّة ، لهذا غالباً ما تجد في القوانين نصوصاً ملحقة للتوضيح أو التقييد أو غير ذلك . بل تجدهم يتحدّثون عن روح القانون وأنّ هذه الروح لها القدرة على تعطيل بعض نصوص القانون نفسه لحمايتها وضمان بقاء هذه الروح التي جاء القانون لأجلها ، فليس هناك نظام قانوني مطلق ، وهذه عقليّة مثاليّة غير واقعيّة ، فلو أنّ الشريعة أعطت استثناءات للغيبة أو الكذب أو غيرهما فهذا - من حيث المبدأ - شيء صحّي ، وليس شيئاً مرضيّاً . نعم ، يجب أن نجلس لنتداول طبيعة الاستثناءات ، فهل تنسجم مع روح القانون ، ومع فقه الأولويات ، ومع المبادئ الدستوريّة العليا التي تمثل جوهر