حيدر حب الله
138
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
العنهم ) ، لكن لما كان فعل اللعن لغةً دالًا بشكل أوّلي على الطرد لا على الدعاء بالطرد ، لزم حمل الكلمة على الفعل ، أي ( طُردوا ) ، حتى تأتي قرينة على أنّ المراد هو اللعن اللساني بمعنى الدعاء ، وحتى لو دلّت على اللعن اللساني ، فهي لا تدلّ على تحديد من هو اللاعن ، فقد يكون الملائكة ، وعليه فلن تكون الآية دليلًا اجتهاديّاً على شرعيّة اللعن بالنسبة إلينا نحن البشر ، ولهذا لا يجيز الفقهاء لعن القاذف إذا كان شيعيّاً مثلًا ؛ لأنّه شيعيّ عاصٍ ، والمعروف بينهم أنّهم يذهبون إلى عدم جواز لعن الشيعي ولو كان عاصياً . 17 - قوله سبحانه : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ) ( الأحزاب : 60 - 61 ) ، وهذه الآية الكريمة تعني - بحسب الدلالة اللغويّة - أنّ هؤلاء لا يجاورونك في المدينة إلا قليلًا ، بل هم مطرودون ، فأينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلًا ، فاللعن هنا جاء مناسباً تماماً لعدم الجوار في المدينة ، أي أنّ الله سوف يغريك بهم فتطردهم من المدينة ، ولن يكونوا بعدها مجاورين لك ، بل هناك ما هو أزيد وهو قتلهم . فهذه الآية الكريمة لا علاقة لها باللعن بالمفهوم الذي نتداوله اليوم ، وإن ذكره بعض المفسّرين ، بل لها علاقة بالفعل الذي يؤدّي إلى طرد المنافقين من المدينة المنوّرة ، أو بتعبير أدقّ التهديد بطردهم . هذه هي المجموعة الأولى من نصوص اللعن في القرآن الكريم ، وهي المجموعة الواضحة في دلالتها على الجهة الإخباريّة دون بيان موقف شرعي أو الإشارة إلى ذلك ، وقد قلنا بأنّ استخدام الله لكلمة اللعن هنا لا يفيد أنّ هذا الاستخدام من قبلنا جائز في حقّ الآخرين أو حرام أو واجب ؛ لأنّه استخدام