حيدر حب الله
120
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
عنها وإن كان المجال مفتوحاً للملاحظة عليها من ناحية فنيّة ، كما تطرّق له جماعة ، إلا أنّ المراد هو أن النسخ له بُعدان : بعدٌ ثبوتي ، ويتلخّص في أنّ الحكم منذ تحقّقَ في عالم الجعل والإنشاء كان محدّداً بحدوده الزمانية الخاصّة ، وبالتالي فإنّه بصورة طبيعية سوف يزول وجوده في ذلك العالم بارتفاع تلك الفترة وانقضائها . . ومجرّد ارتفاعه عن رتبة الفعليّة دون المرتبة الإنشائية لا يكون نسخاً . أمّا البُعد الإثباتي ، فيتلخّص في أنّ الذي يبدو إثباتاً في النسخ هو أنّ هناك رفعاً للحكم الذي كان ثابتاً وإلغاءً له . ولهذا توجد مفارقة بين عالمي الإثبات والثبوت ؛ فإنّ ما يبديه عالم الإثبات هو عملية رفع للثابت ، وأمّا واقع الأمر وعالم الثبوت فهو ارتفاع ذاتي يحسن تسميته بالدفع ، فالحكم بالنسبة لي كأنه بالنسخ قد ارتفع ، ولكنّه بالنسبة إلى الله كأنّه بالنسخ قد انتهى أمده الذي حدّد له من الأوّل ، وهذه القضيّة لابد من الانتباه إليها ؛ لأنّ تشوّشها يوجب الوقوع في محاذير عديدة من وجهة نظرهم . الجهة الثانية : إمكان النسخ ، من الطبيعي أنّ عامّة المسلمين - إلا من شذّ كما نُقل - يرون النسخَ ظاهرةً ممكنةً من الناحية الكلاميّة ؛ لأنّ قوام شريعتهم على النسخ ؛ فإنّهم يقولون بأنّ شريعة محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم نسخت الشرائع السابقة ، ولهذا فإنّ من ناقش في إمكان النسخ نجده عادةً من اليهود وأمثالهم ، وقد أثاروا في ذلك الإشكاليّة التالية ، حيث قالوا بأنّ الحكيم تبارك وتعالى بتشريعه الحكمَ الأوّل يكون قد لاحظ مصلحةً في ذلك ، وعليه فنسخه واستبداله بحكم آخر يستبطن أحد أمرين لا ثالث لهما : أ - أن يكون علمه بالمصلحة في الحكم الأوّل ثابتاً ، ومع ذلك شرّع الثاني ،