حيدر حب الله
121
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وهذا لازمه ارتكابه خلاف الحكمة الإلهية بتشريع غير ما كانت المصلحة فيه . ب - أو يكون ما انكشف له من المصلحة في الحكم الأوّل لا واقعيّة له ، وهذا لازمه أنّه كان جاهلًا في الحكم الأوّل جهلًا مركّباً ، وأنّه تبيّن له الحال فيما بعد . والقول بنسبة الجهل وخلاف الحكمة إلى الله سبحانه باطل . وعليه فلا يكون النسخ ممكناً في ساحته تبارك وتعالى . وأجيب عن هذا الكلام : أولًا : بجواب نقضي ، وهو أنّ الشواهد الكثيرة قامت بين أيدينا في التوراة على وقوع النسخ ، فكيف يفسّر أهل الكتاب ذلك ؟ فما يفسّرون به ذلك عندهم نفسّر نحن به النسخ الذي نؤمن به عندنا . وثانياً : بجواب حَلّي ، وهو أنّ الحكم الأوّل منذ تحقّقه في عالم الجعل القانوني وإبرازه للمكلَّفين كان في عالم ثبوته في علم الله مقيّداً بزمان خاص ، والبداهة قائمة على دور الأزمنة كالأمكنة في ملاكات ومصالح الأحكام ، غايته لم يُبرز المولى لنا التقييدَ الزماني إلا بعد حين ؛ وذلك لمصلحة قد تكون في إيهام المكلّف بخلود التكليف مما يجعل له محرّكيّة أعمق ليكون الموقف أشبه شيء بالتورية على حدّ تعبير المحقّق العراقي ، لا كذباً ؛ لأنّ المتكلّم لم يبرز قيد الخلود ، لا أنّه أبرزه فكذب بذلك علينا . وعليه ، فيكون الحكم الأوّل على صلاحه في دائرته الزمنيّة والحكم الثاني على صلاحه فيما بعد زمن الحكم الأوّل ، من دون لزوم الجهل وخلاف الحكمة عليه سبحانه . ومن هنا ، تتضح حكمة النسخ ، وأنّه أمرٌ ضروريّ في التشريع أحياناً ، تبعاً لطبيعة دور الظروف والأزمنة في الحكم ، وهذا ما نصّت عليه الآية الكريمة : ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى