حيدر حب الله
80
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وهو معنى ما روي عن وكيع أنّه قال : « إن لم يكن المعنى واسعاً ، فقد هلك الناس ، ( قال أبو عيسى : ) وإنّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والاتقان والتثبّت عند السماع ، مع أنّه لم يسلم من الخطاء والغلط الكبير أحدٌ من الأئمّة مع حفظهم » « 1 » . ولعلّ ما يعزّز ما نقول أنّ أسئلة الرواة لم تذكر بعينها غالباً ، وهذا يدلّ على أنّهم ما كانوا ينتبهون لمثل هذه التدقيقات في النقل ، مع شدّة الترابط بين السؤال والجواب ، ولو كان النقل لفظيّاً لكان نقل السؤال في غاية الأهميّة . بل يمكن إضافة فكرة ، وهي أنّ ما ذكرناه من شروط جواز النقل بالمعنى لعلّه لم يكن يؤمن به الكثير من الرواة في تلك الفترة ، ومن ثمّ فمجرّد أنّنا حدّدنا النقل بالمعنى ضمن محدّدات صارمة ، لا يعني أنّ القدماء كانوا يؤمنون بمثل ذلك ، فلعلّهم كانوا أو بعض الرواة يجيز النقل بالمعنى بحيث يقيّد برواية أخرى أو يعمّم نتيجة رواية أخرى وهكذا ، فمن أين لنا أن نتأكّد من هذا التطابق المزعوم ؟ فلاحظ جيداً . 6 - اشتهار الجواز بين الفقهاء المسلمين السنّة والشيعة في المرحلة اللاحقة ، وهذا يكشف عن عدم تحفّظ السابقين ؛ إذ لو كان النقل بالمعنى ممنوعاً أو منبوذاً لترك ذلك أثره ، ولاشتهر النبذ والمنع فيما بعد عادةً ، مع أنّ عكسه هو الذي حصل ، كما رأينا . فالمتأخّرون لا يلحقهم ضرر كبير من الإلزام بالنقل باللفظ ، لأنّ المدوّنات الكبرى كانت في عصرهم قد أنجزت ، واستقرّت النصوص في الكتب ، فيتوقّع منهم - لو كان هناك رأي بالمنع عند السابقين عليهم - أن يتلقّفوه بالترحاب ولو في الجملة ، أو ينقلوه على الأقلّ ، أو يحصل جدل بينهم في المرحلة الأولى حوله حتى يستقرّ الرأي على خلافه ، مع أنّ ما رأيناه هو العكس تماماً . وبهذا يظهر أنّ فرضيّة وجود النقل بالمعنى ، فرضيّة معقولة جداً ؛ والأقرب شيوعها في
--> ( 1 ) الترمذي ، السنن 5 : 403 ؛ وشفاء العلل في شرح كتاب العلل : 403 ؛ وانظر : القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 1 : 412 .